لقد تشرفت بمطالعة كتاب جولة إلى تركستان الشرقية تحت الحكم الشيوعي، الذي عبر في خلايا سطوره عن حقيقة الأوضاع التي يعيشها المسلمون في تركستان الشرقية في الوقت الحاضر، فقد تمكن فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي بإحساسه المرهف وتعبيراته الصادقة وملاحظاته الواعية التي لم تصدر من شخصه الكريم لكونه رئيس وفد رابطة العالم الإسلامي الزائر لتلك البلاد فحسب، بل تنم عن صدق مشاعره الإسلامية، وتأثره الإنساني بالأحوال والظروف التي تكتنف الإخوة المسلمين في ذلك الجزء من العالم الإسلامي، وكانت ملامح وجهه الحزينة وعبراته المكبوتة وأحاديثه الأليمة واستفساراته المتلاحقة أثناء رحلة فضيلته إلى هناك واجتماعه بالمسلمين والمسئولين تعكس مدى اهتمام الرجل الكبير بالمسلمين التركستانيين، حتى جاء هذا الكتاب تعبيرًا صادقًا عما يعانيه المسلمون من الاضطهاد الشيوعي البغيض.

إن اهتمام رجال جزيرة العرب بتركستان الشرقية يعود إلى قرون عدة سابقة، ويسجل التاريخ أول رحلة عربية إلى هناك قام بها تميم بن بحر المطوعي من نجد إلى بلاد الأويغور فيما بين 760 - 800م، ثم تأتي بعده رحلة أبي دلف مسعر بن المهلهل الينبعي من ينبع النخل في عام 943م، وقد نقل الجغرافيون والمؤرخون العرب والمسلمون معلوماتهم عن تركستان الشرقية وسكانها التغزغز (الأويغور) والخارلخ (الغارلوق) والخرفية (القديمة) عن هذين الرحالين، كما نجد ذلك في كتب الحموي والمسعودي وابن الفقيه وابن خرداذبة وغيرهم.

والكتاب الذي بين يدينا يمثل استمرارًا لاهتمام العرب الأقدمين ورحلاتهم إلى تلك البلاد من عالم الأتراك وفضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي يعتبر الرجل الثالث بعدهما من شبه جزيرة العرب الذي يسجل رحلاته إلى تلك الأصقاع بعد هذه القرون الطويلة من الرحلة العربية الأولى.

وإن كان دخول قتيبة بن مسلم الباهلي وهو من الطائف لمدينة كاشغر عام 96هـ/715م بهدف نشر الإسلام بين أتراك تركستان الشرقية، فإن زيارة وفد الرابطة برئاسة فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي عام 1404هـ/1985م كانت نصرة للإسلام واهتمامًا بأمر المسلمين وإعلاء كلمة التوحيد التي رفع رايتها الأولى قتيبة بن مسلم الباهلي قبل ثلاثة عشر قرنًا من الزمن وكلاهما كان توطيدًا للإسلام وإعلاء لدين الله ۵ وفتحًا للعرب وإعزازًا للمسلمين.

وكلها شواهد تؤكد اهتمام أبناء هذه الجزيرة العربية بالاستمرار في نشر دعوة الإسلام التي رفع رايتها الأولى محمد بن عبد الله ﷺ بأمر من الله ۵ الواحد القهار، وكذلك إشاعة الخير والعدل والمساواة بين كافة بني الإنسان.

ويعيد التاريخ نفسه بأن أبناء الجزيرة الذين كان لهم الفضل في نشر الإسلام في أنحاء المعمورة سيكون على أيديهم خلاص المسلمين وتجدد مجدهم الإسلامي التليد في الحاضر، والله ۵ يقول: ﴿ولينصرن الله من ينصره،إن الله لقوي عزيز﴾ صدق الله العظيم.

بقلم

الأستاذ رحمة الله بن عناية الله

المدير العام للدراسات والمؤتمرات

في رابطة العالم الإسلامي

مقدمة كتاب"جولة في تركستان الشرقية تحت حكم الشيوعية" للشيخ محمد ناصر العبودي