بنات تركستان الشرقية

قال لى: شعرت وأنا أودع ابنتى المسافرة للدراسة وحدها للمرة الأولى كأن قلبى ينفطر، وأخذتنى هواجس القلق والخوف عليها في سفرها وفى إقامتها بعيدة عن الأسرة وغير ذلك من مخاوف الأهل على أبنائهم.

 قلت له: هذه مخاوف طبيعية يشعر بها الأم والأب والأهل جميعا إذا ما غاب الأبناء أو أحد أفراد الأسرة وبالأخص البنات. صمتت برهة وتذكرت بنات تركستان الشرقية وأصابنى الكدر والحزن لما يجرى لهن!!!؛ وقلت له الا تعلم أن هناك شعبا بأكمله تغيب فتياته ونساؤه وشبابه ورجاله بطريقة ممنهجة، حيث تكره الفتيات على مفارقة الأسرة والوطن ويرحلهن المحتل الصينى قسرا بعيدا عن وطنهن إلى مقاطعات الصين الأخرى على بعد آلاف الكيلومترات بحجة التدريب والعمل حيث يجبرن على العيش في وسط ثقافي واجتماعي وديني مختلف تماما عما ألفنه وشديد القسوة فلا دين ولا مبادئ ولا رحمة، كما يفقد الأهل الاتصال بهن ولا يعلم أحد متى يعدن لأسرهن ولا ما يحدث لهن!!! هي عبودية بكل معانى الكلمة. 

 في العام 1996م صدرت الوثيقة السرية رقم 7 عقب اجتماع طارئ للجنة الدائمة للحزب الشيوعى الصينى في 28/3/1996م وتضمنت عشرة إجراءات صارمة لمعالجة مشكلة تركستان الشرقية (منطقة شينجيانج الأويغورية ذاتية الحكم) تبدأ بحظر التعليم الدينى، ومنع الأنشطة الدينية (العبادات) والتضييق على الحريات الدينية بصفة عامة، منع الكتب العربية والكتابة بها، تعليم الشيوعية لسكان المنطقة، وكذلك تعليمهم اللغة الصينية، القمع والإعدام واغتيال المعارضين للحزب الشيوعى، نقل آلاف النساء عنوة للعمل في المصانع خارج المنطقة؛ وتطبق الصين هذه الإجراءات بمنهجية منتظمة وبدأت بتنفيذ هذه السياسة - التي تستهدف محو هوية التركستانيين وتذويبهم بالدمج القسرى داخل عرق الهان -  في حملة "اضرب بقوة" في 12/4/1996م والتي أدت لحدوث احتجاجات في أنحاء متفرقة من تركستان قمعتها الصين بقسوة شديدة.

ومنذ العام 2006م تتبع الصين سياسة التهجير المتبادل بمعنى جلب الهان من مختلف أنحاء الصين إلى تركستان وهى السياسة التي تتبعها الصين منذ الغزو الشيوعى الصينى لتركستان الشرقية عام 1949م والتي أسفرت عن توطين ملايين الهان في المنطقة، والشق الآخر هو تهجير التركستانيين لمختلف مقاطعات الصين؛ وطبقا لما أعلنته إذاعة آسيا الحرة فإن الصين تستهدف تهجير 1,2مليون تركستانى إلى مختلف مدن الصين الداخلية.

وقد رصد تقرير منظمة العفو الدولية الذى يغطى الفترة من يناير إلى ديسمبر 2008م مواصلة السلطات الصينية تهجير أعداد كبيرة من الهان إلى تركستان لمواجهة ما تزعمه من نقص في العمالة في المنطقة، بينما أرسلت ما يزيد على 200 ألف فتاة من النساء الشابات والفتيات الأويغوريات للعمل في المصانع بشرق الصين بأجور متدنية وفى ظروف قاسية، ويتم ذلك بضغط من السلطات المحلية. وتشير المصادر من داخل تركستان إلى ان العملية تتم عنوة عبر التهديدات للأهل بمصادرة الممتلكات والفصل من العمل والسجن. ويجبر العمال من تركستان فتيات وشباب على العمل لمدة 14 ساعة يوميا ويبقون تحت المراقبة 24 ساعة، ولا يسمح لهم بالخروج دون إذن، ويصاب الكثير منهم بالأمراض بسبب سوء ظروف العمل وتدني مستوى الرعاية. وكثيرا ما تغتصب الفتيات من قبل المشرفين وأصحاب العمل، كما يجبرن على الزواج من الصينيين؛ وكان الشجار الذى اندلع في مصنع لألعاب الأطفال في مقاطعة جواندونج بين العمال الأويغور والصينيين بسبب تحرش الأخيرين بالعاملات الأويغوريات الشرارة التي سببت اندلاع مظاهرات أورومجى الضخمة في 5/7/2009م احتجاجا على عمليات التهجير الضخمة لفتيات تركستان وعلى سياسة القمع الصينى في تركستان الشرقية بصفة عامة.

ومنذ العام 2017م واصلت الصين سياستها الدنيئة لتدمير الأسرة والمجتمع التركستانى باعتقال الملايين من أبناء الشعب التركستانى بصفة دورية في سجون ضخمة تطلق عليها الصين معسكرات إعادة التأهيل وذلك للتمويه على حقيقة سياستها الرامية لتدمير المجتمع التركستانى ومحو هويته الدينية والثقافية.

 قلت لصديقى من يرعى أبناء هؤلاء المعتقلين، وماذا عن قلوب ومشاعر آبائهم وأمهاتهم، ومن يصون ويحفظ عرض وكرامة بنات تركستان في وطنهن وفى مهجرهن القسرى،

لقد ترك المسلمون وأنظمتهم الحاكمة ومنظماتهم الوهمية، كما ترك المجتمع الدولى والضمير الإنسانى لضباع الحزب الشيوعى الصينى مهمة رعاية الشعب التركستانى وبنات تركستان.

وحساب الجميع عند الله في الدنيا ويوم العرض عليه لا نملك حولا ولاقوة ولا مالا ولا جاها ولآ سلطانا لم نفعل به شيئا ننقذ به المظلومين، وسيسألنا الله عما أعطانا من كل ذلك ماذا فعلنا به.

 

د/ عز الدين الوردانى

كاتب متخصص في شؤون آسيا الوسطى