لمحات من التاريخ الدامي للصين.. ثورة تايبينغ

  يعج التاريخ الصيني بالاضطرابات الضخمة والتمردات والثورات الدامية في مواجهة النخب الحاكمة الاستبدادية التي تستنزف ثروات الشعب وتنتهك أبسط حقوقه الإنسانية، وفى ظل تلك الأنظمة القهرية والثائرون عليها تسيل دماء الشعب الصينى بمختلف عرقياته أنهارا وتهدر كرامته وتقيد حرياته.

 وتعد ثورة تايبينغ ( 1850 - 1864 ) واحدة من أهم الأحداث الدامية في تاريخ الصين، حدثت   الثورة فى   ظل حكم أسرة مانشو (تشينغ) وفى فترة كانت الصين تشهد فسادا واسع النطاق      وانتشار الفقر  و تدخلات  خارجية استعمارية كبيرة مصحوبة بعمليات تبشير  مسيحى واسعة. 

تزعم حركة التمرد (هونج شيوى تشيوان) الذي اعتنق المسيحية وادعى أنه شقيق المسيح الأصغر!!!! وأنه يتلقى الوحى من السماء ودعي للتخلي عن الديانات الصينية القديمة واعتناق دين جديد  مؤلف من هرطقات (بدع)  مسيحية مع مزيج من الديانات الصينية وبمعنى آخر مسيحية صينية، وذلك كدأب الصينيين فى إضفاء الصبغة الصينية على كل شىء كالأرض والأجناس والأسماء      والتاريخ بل والنظريات الفكرية والأديان، وهذا مؤشر على اضطراب نرجسى واضح يضرب        بجذوره فى   أعماق الفكر الصينى .

أسست الحركة ( جمعية عبادة الله) في قوانغشي جنوب الصين وبدأت في الدعوة لعقيدتها الجديدة المثيرة للسخرية بحسب قول المبشر الأمريكي القس روبرتس. أعلن هونج إلغاء الطبقات الاجتماعية ونادى بالملكية المشتركة، و ساوى بين الجنسين وأمر بالفصل بينهما حتى المتزوجين ولم  ينطبق الأمر على (هونج) الذى كان له عددا كبيرا من المحظيات. 

شنت سلطات المانشو فى قوانغشى حملة اضطهاد ضد جمعية عبادة الله، وفى يناير 1851م هاجم هونج     وأتباعه حامية المانشو فى مدينة جنتيان واحتلوا المدينة وأعلن هونج نفسه ملكا وتأسيس مملكة تايبينغ    (المملكة السماوية) والتى تمكنت من السيطرة على معظم    جنوب الصين وبدت كدولة معارضة لحكم         المانشو لها جيشها الخاص والذى بلغ قوامه 500ألف فرد  تميزهم السترات وعصابة الرأس الحمراء حيث  دٌرب كل مواطن داخل مملكة التايبنغ على القتال حتى النساء، تمكنت قوات التايبينغ من الاستيلاء على       نانجينغ  فى 13\3\1853م وأعلنت عاصمة مملكة تايبينغ السماوية، وانقسم المجتمع الصينى ما بين مؤيد ومعارض للتايبينغ، ودارت رحى حرب أهلية طاحنة كان مسرحها فى الغالب مقاطعات قوانغشى، جيانغسو ، تشيجيانغ، آنهوى، هوبى، كما أجرت جيوش تايبنغ استعراضات عسكرية فى كافة مقاطعات الصين باستثناء  قانسو، واستخدمت فى الحرب أساليب الأرض المحروقة والإعدامات الجماعية. تسببت الحرب الأهلية على   مدار أربعة عشر عاما فى تدمير ومحو 600 مدينة، ومقتل نحو (20 مليون) إنسان فى أقل التقديرات، فضلا عن جرح وتشريد الملايين من الصينيين، وعدت واحدة من أكثر  الحروب دموية فى التاريخ وأكثر الحروب الأهلية دموية على الإطلاق فى تاريخ العالم.

 بمساعدة المستشارين العسكريين الغربيين تمكنت قوات المانشو من إخماد تمرد تايبينغ فى أغسطس 1864م ويذكر أن أحداث تمرد تايبنغ تزامن مع ثورة 1863م فى تركستان الشرقية بزعامة يعقوب بك والتى نجحت فى الاستقلال بتركستان الشرقية عن حكم الصين، ويبدو أن استقلال تلك الدولة المسلمة دفع القوى الغربية  المناهضة للصين والمستعمرة والمستغلة لمواردها وأرضها لتقديم الدعم لحكومة الصين لحسم تمرد التايبينغ والتفرغ للقضاء على الدولة المسلمة المستقلة حديثا والتى ستقلب رأسا على عقب مخططات ومصالح قوى  الاستعمار الغربى والروسى فى وسط آسيا . 

فالكل فى مواجهة الإسلام حلف يتناسى خلافاته دون إبداء الأسباب.

وجدير بالذكر أن الزعيم الصينى الشيوعى الدموى (ماو تسى تونج) يمجد تمرد التايبينغ ويعتبره ثورة مبكرة ضد النظام الإقطاعى، كما أنه مصدر إلهام للجيش الأحمر الشيوعى ( يلاحظ الشارات والزى الأحمر لقوات   التايبينغ) . وتحظى ثورة جينتيان أولى معارك التايبينغ بمكانة بارزة فى النصب التذكارى لأبطال الشعب فى ميدان (تيانن مين ) فى قلب العاصمة الصينية. ويبدو أنها ملهمة القسوة والدماء فى التاريخ الصينى الحديث والمعاصر.

 

د\ عزالدين الوردانى

كاتب متخصص فى شؤون آسيا الوسطى