نور ملحم: زيارة الشيباني للصين: تعزيز العلاقات أم تجاهل هشاشة النظام الداخلي؟

نور ملحم

زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني للصين تأتي في وقت يتسم بالتوتر الاقتصادي والاجتماعي العميق داخل الدولة الآسيوية، وهو ما يجعلها أكثر من مجرد جولة دبلوماسية روتينية. فبينما يروج الإعلام الرسمي لزيارات المسؤولين الأجانب بوصفها دليلاً على القوة والتأثير الصيني، تكشف الاحتجاجات الأخيرة في المدن والمناطق الريفية هشاشة العقد الاجتماعي وأزمة الثقة بين الحكومة والمواطنين.

الأحداث في الصين خلال الأشهر الأخيرة تعكس تصاعد الإضرابات العمالية والفلاحية، والاشتباكات العنيفة التي تكشف عن استياء واسع من تراجع الأجور وانعدام فرص العمل وتردي الأوضاع المعيشية. ففي مقاطعات مثل قوانغدونغ وفوجيان وجيانغشي، شهدت المصانع احتجاجات عمالية متعددة خلال أيام قليلة، فيما خرج الفلاحون للاحتجاج على مصادرة أراضيهم وتعويضاتهم المفقودة منذ عقود. حتى الحوادث الصغيرة، مثل مصادرة مفاتيح الطالبة في شانشي أو إغلاق الأسواق الليلية في خنان، تحولت إلى رموز للسلطة التعسفية، وأظهرت حجم الغضب الشعبي الذي لم تعد أدوات القمع التقليدية قادرة على احتوائه.

في هذا السياق، تأتي زيارة الشيباني لتؤكد استمرار التوجه السوري نحو تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع بكين، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، لكن هذه الخطوة تحمل أبعادًا أعمق تتعلق بالحقوق الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية. قضية الأويغور، التي تشهد انتهاكات متكررة من قبل السلطات الصينية، تعتبر اختبارًا حقيقيًا للديبلوماسية السورية: فهل يمكن لمصالح التعاون الاقتصادي أن تتجاوز الاعتبارات الحقوقية، أم أن الصمت عن هذه القضايا يشكل مخاطرة سياسية وأخلاقية على المدى الطويل؟

من الناحية الاقتصادية، تسعى دمشق إلى دعم بكين في وقت تواجه الأخيرة تحديات ضخمة: انخفاض الأرباح الصناعية بنسبة 11.2%، إفلاس أكثر من مليون شركة صغيرة ومتوسطة، تراجع الاستثمار الأجنبي بنسبة 99٪، وانهيار الصادرات. إن الصين، التي لطالما اعتمدت على النمو الاقتصادي لتعزيز شرعية الحزب الشيوعي، تجد نفسها اليوم في مواجهة موجة من الاستياء الشعبي لم تعد الرقابة والقمع وحدها كافية لاحتوائها. في هذا الإطار، يمكن للزيارة السورية أن تُقرأ على أنها محاولة للاستفادة من الانفتاح الصيني على الشركاء الأجانب لدعم الاقتصاد السوري، وتوسيع التعاون في مجالات متعددة.

لكن الجانب السياسي لا يقل أهمية. العلاقة الوثيقة مع الصين تمنح سوريا قوة دبلوماسية في الساحة الدولية، خصوصًا في مواجهة الضغوط الغربية، لكنها أيضًا تضعها أمام تحديات أخلاقية دقيقة. تسليم الأويغور المحتمل إلى بكين، ضمن إطار التعاون الأمني، يسلط الضوء على هذا التوازن المعقد بين المصالح الواقعية والالتزامات الأخلاقية. فالتحالف مع دولة تواجه موجة احتجاجات داخلية واسعة واتهامات بانتهاكات حقوقية، يضع دمشق في موقف حساس تجاه المجتمع الدولي، ويطرح تساؤلات حول مسؤولية الحكومة السورية في اختيار شركائها.

من زاوية أوسع، تكشف الاحتجاجات الصينية المستمرة أن القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي لتأمين الشرعية الاجتماعية. كل نزاع حول الأراضي، الأجور غير المدفوعة، أو البيع في الشوارع، يشكل انعكاسًا مباشرًا لشعور المواطنين بعدم العدالة والظلم. إن هذا الواقع يجعل أي شراكة مع بكين تحمل في طياتها خطرًا مزدوجًا: تعزيز نفوذ اقتصادي وسياسي مؤقت، مقابل الانخراط في شبكة من القضايا الحقوقية والاجتماعية المعقدة التي قد تلقي بظلالها على سمعة سوريا دبلوماسيًا.

وفي النهاية، زيارة الشيباني تعكس ازدواجية التحديات التي تواجه السياسة الخارجية السورية: فهي محاولة لتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي مع الصين، بينما تتطلب في الوقت نفسه قراءة دقيقة لحجم القمع الاجتماعي والاحتجاجات الداخلية، والتحديات الحقوقية المرتبطة بالتعامل مع قضايا مثل الأويغور. الصراع بين المصالح الواقعية والمبادئ الأخلاقية يبدو واضحًا، ويعكس مدى تعقيد العلاقات الدولية في زمن تتقاطع فيه القوة الاقتصادية مع الضغوط الحقوقية والمجتمعية.

زيارة الشيباني للصين، في هذا السياق، ليست مجرد رحلة دبلوماسية، بل مؤشر على سياسة سورية تسعى للاستفادة من النفوذ الصيني في مواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية، لكنها في الوقت ذاته تحمل رسائل غير مباشرة عن المواقف الأخلاقية والسياسية التي تتبناها دمشق تجاه قضايا حساسة على الصعيد الدولي. فالخيار أمام الحكومة السورية يبدو بين الانخراط في تعاون استراتيجي واسع وتحقيق مكاسب اقتصادية عاجلة، أو مواجهة التساؤلات الأخلاقية والحقوقية التي ستظل ملازمة لكل خطوة دبلوماسية مستقبلية.

https://www.raialyoum.com

21 نوفمبر 2025