"شينجيانغ" المرويّة، تركستان الشرقية المنسيّة: تحليل لبناء المشهد الإعلامي

5 يناير 2026

معهد الدراسات الأويغورية

تتناول هذه الدراسة بالبحث والتحليل النص الخبري المنشور في صحيفة "يومية شينجيانغ" (Xinjiang Daily) بتاريخ 3 يناير 2026، والمتعلق بإنجازات "مركز برامج القمر الصناعي لمحطة شينجيانغ للإذاعة والتلفزيون"، وذلك من منظور اللسانيات الثقافية (Cultural Linguistics) وتحليل الخطاب النقدي. تتقصى الدراسة كيفية بناء هوية "شينجيانغ الجديدة" عبر النصوص الإعلامية وأسماء البرامج التلفزيونية مثل: "النجوم الخمس تضيء الصين" (Wuxing Yao Zhonghua)، و**"مسابقة الرقص الشعبي الجديدة" (Xin Minzu Wu Dahui)**، من خلال مبدأ النسبية اللغوية والمخططات الثقافية. ويكشف التحليل، في سياق استراتيجية الدولة الصينية "تغذية شينجيانغ ثقافياً" (Wenhua Runjiang)، أن اللغة لا تُستخدم كمجرد أداة للتواصل، بل كجهاز معرفي يطبع علاقة تراتبية بين "المركز والهامش" كأمر طبيعي. كما تم تفكيك استعارات "التنوير"، و"التجديد"، و"السرد" في أسماء البرامج؛ لفهم عمليات إعادة صياغة الواقع التاريخي والثقافي للمنطقة وفق المعايير الأيديولوجية للدولة، وتحويل الذوات العرقية إلى "أدوات سياحية"، وإخضاع الذاكرة الجماعية لعملية نسيان انتقائي.

الكلمات المفتاحية: اللسانيات الثقافية، تركستان الشرقية، الاستعارات المفاهيمية، الإعلام الصيني، الخطاب الأيديولوجي، التغذية الثقافية.


1. مقدمة

اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي فضاء لـ "الإدراك الثقافي" (cultural cognition) حيث يُبنى الواقع الثقافي ويُخزن ويُنقل. تدرس اللسانيات الثقافية، التي رادها نظريون مثل بالمر (1996) وشريفين (2011)، التصورات الثقافية الكامنة وراء البنى اللغوية. وتستخدم سياسات الإعلام التابعة لجمهورية الصين الشعبية تجاه تركستان الشرقية هذه الوظيفة التأسيسية للغة بشكل استراتيجي.

إن النص الخبري المعنون "مواكبة نبض العصر، تسجيل قصص شينجيانغ" المنشور في 3 يناير 2026، وبينما يحتفي بنجاح "مركز برامج القمر الصناعي" في منظومة الدعاية، فإنه يكشف في الواقع عن آليات عمل أجهزة الدولة الأيديولوجية في المنطقة. يوضح النص عبر استعارات مثل "مواكبة نبض الزمن" و"تسجيل قصص شينجيانغ" كيف يتم إعادة صياغة السردية التاريخية والثقافية للمنطقة. ستعمل هذه المقالة على إخضاع النص المذكور وأسماء البرامج النوعية الواردة فيه لفلترة نقدية عبر المخططات الثقافية، والتصورات الاستعارية، وعمليات التصنيف.

2. المحتوى العام للنص المصدر والإطار السياقي

ينقل النص الصيني (يومية شينجيانغ، 03.01.2026، الصفحة A02) إشادة وتكريم دائرة الدعاية باللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني لمركز برامج القمر الصناعي لمحطة شينجيانغ للإذاعة والتلفزيون. ويقوم محتوى النص على النقاط التالية:

الهيكل المؤسسي: يذكر أن المركز تأسس عام 2012، ويضم 180 موظفاً من 10 مجموعات عرقية مختلفة، ويُعرَّف بأنه "أسرة كبيرة متعددة الأعراق" (duo minzu da jiating).

المهمة الأيديولوجية: المهمة الأساسية للمركز هي تطبيق استراتيجيات "تعزيز وعي الجماعة الوطنية الصينية" (Zhulao Zhonghua Minzu Gongtongti Yishi) و"تغذية/ترطيب شينجيانغ ثقافياً" (Wenhua Runjiang).

الإنجازات والجوائز: تم التأكيد على فوز المركز بجوائز مرموقة مثل "جائزة أخبار الصين" و"جائزة ضوء النجوم".

محتوى البرامج: يُشار إلى أن البرامج المنتجة منذ عام 2024، مثل "النجوم الخمس تضيء الصين"، و"مسابقة الرقص الشعبي الجديدة"، و"لنغنِّ معاً"، حققت نسب مشاهدة عالية (3 مليارات نقرة) تحت شعارات "التجديد" و"الابتكار" و"التحديث".

الإعلام الجديد والوثائقيات: يُذكر أنه عبر الفيديوهات القصيرة (مثل: "وجوه شينجيانغ"، "ما بووا يشرح القانون") والوثائقيات (مثل: "أراضي شينجيانغ"، "شينجيانغ في الكنوز الوطنية")، تم تعزيز الوعي القانوني وتقديم صورة "حقيقية وحيوية وثلاثية الأبعاد" للمنطقة أمام العالم.

من وجهة نظر اللسانيات الثقافية، يعد هذا النص ترسيخاً لـ "مخطط" (schema) لـ "شينجيانغ" متناغمة وحديثة ومركزية صينية، بدلاً من كونه مجرد خبر صحفي.

3. المخططات الثقافية والاستعارات المفاهيمية

إن اللغة المستخدمة في النص وتسميات البرامج لا تتكون من كلمات مختارة عشوائياً. بل على العكس، تقوم هذه اللغة على استعارات مفاهيمية تعيد إنتاج رؤية معينة للعالم، وعلاقات قوة، ومفهوماً معيارياً للثقافة. وكما أوضح جورج لاكوف ومارك جونسون، فإن الاستعارات المفاهيمية لا تهيكل اللغة فحسب، بل تهيكل طرق التفكير والممارسات الاجتماعية أيضاً (Lakoff & Johnson, 1980). وفي هذا السياق، تنتج السياسات الثقافية تجاه تركستان الشرقية مخططات معرفية تجعل العلاقة التراتبية بين المركز والهامش تبدو طبيعية ومحتومة من خلال التفضيلات اللغوية.

3.1. استعارة "تغذية شينجيانغ ثقافياً" (Wenhua Runjiang – 文化润疆)

تتضمن عبارة (Run - 润) الواردة في التعبير معاني: "الترطيب، النقع، التغذية، التليين، وجعل الشيء يخضرّ". لاستعارة الماء مكانة مركزية في الفلسفة السياسية الطاوية والكونفوشيوسية في التراث الفكري الصيني. في كتاب "داو دي جينغ"، يُوصف الماء بأنه القوة التي تحول دون قسوة، وتُشكل دون مقاومة، وتؤثر في كل شيء رغم وجودها في أدنى موقع.

تقوم هذه الاستعارة على فرضية مضمرة مفادها أن تركستان الشرقية "ناقصة" أو "قاحلة" أو "خام" ثقافياً. وبينما يتم وضع الثقافة القادمة من المركز — والمتماهية غالباً مع ثقافة الهان ومعايير أيديولوجيا الدولة — في مقام "الماء"، تُمثَّل تركستان الشرقية كـ "تربة" محتاجة لهذا الماء. وهكذا، تتحول الثقافة من مجال ديناميكي يتشكل عبر التفاعل المتبادل، إلى تدفق أحادي الجانب وتحويلي.

يمكن ربط هذا الخطاب بمفهوم "السلطة الرمزية" لبيير بورديو: حيث يقدم المركز معاييره الثقافية كقيم عالمية وطبيعية، مما يجعل هيمنته على الهامش غير مرئية (Bourdieu, 1991). استعارة "Wenhua Runjiang" تؤطر سياسات الأسرلة القسرية كممارسة "ناعمة" و"شفيقة" و"تمدينية". وبذلك يُنشأ مخطط ثقافي تراتبي: المغذِّي (السارد/المركز) والمغذَّى (المفعول به/الهامش).

3.2. مخطط "الأسرة الكبيرة متعددة الأعراق" (Duo Minzu Da Jiating – 多民族大家庭)

إن تعريف الموظفين في النص بأنهم "أسرة كبيرة مكونة من 10 مجموعات عرقية" يشير إلى مخطط مفاهيمي آخر يُستخدم بكثرة في الخطاب السياسي الصيني. بينما تنتج استعارة "الأسرة" صوراً للوحدة والانسجام والارتباط المتبادل في خطاب الدولة القومية الحديثة، فإنها في الوقت ذاته تجعل التراتبية أمراً طبيعياً وغير قابل للمساءلة.

مخطط "الأسرة" يجعل الصراع واختلاف المصالح غير مرئيين. وكما ذكر لاكوف، تُستخدم استعارات الأسرة غالباً لإضفاء الشرعية على السلطة السياسية؛ لاسيما شخصية "الأب" التي ترمز لسلطة الدولة عبر الانضباط والحماية (Lakoff, 2002). وفي هذا السياق، توضع الدولة في مقام "الوالد" الذي يحافظ على تماسك الأسرة ويوجهها نحو الطريق الصحيح، بينما تُمثَّل المجموعات العرقية كـ "أطفال" أو "إخوة".

هذا الخطاب يختزل الاختلافات العرقية والسياسية إلى مستوى "شؤون عائلية داخلية". وبذلك تُنحى اللامساواة الهيكلية، والضغوط الثقافية، والمطالب السياسية بعيداً عن مجال النقاش العام المشروع لتذوب داخل خطاب انسجام أخلاقي. أما تدخل الدولة، فلا يُقدم كقمع أو سيطرة، بل كتنظيم طبيعي "من أجل مصلحة الأسرة". يمكن ربط هذه الحالة بمفهوم ميشيل فوكو عن "السياسة الحيوية" (Biopolitics): حيث لا تكتفي الدولة بإدارة السكان، بل تشكلهم عبر خطابات "الرعاية" و"الحماية" (Foucault, 1978).


4. فك الشفرات اللسانية الثقافية لأسماء البرامج: سياسات التسمية وتجليات السلطة الرمزية

تعتبر منظومة التسميات (Nomenclature) المستخدمة في الخطاب الرسمي الصيني والإنتاج الثقافي المدعوم من الدولة مجالاً استراتيجياً تُشفر فيه الرسائل الأيديولوجية بأكثر الأشكال كثافة ودقة. أسماء البرامج ليست مجرد ملصقات وصفية تشير إلى المحتوى؛ بل هي، في سياق مفهوم ألتوسير عن "أجهزة الدولة الأيديولوجية"، تقنيات رمزية تبني "سردية جديدة" تجاه المنطقة والثقافة المحلية والهوية. ومن منظور اللسانيات الثقافية، تقدم هذه التسميات استعارات مفاهيمية معينة، وتراتبيات قيمية، وعلاقات غير متكافئة بين السارد والمروي عنه كحقائق "طبيعية" و"تاريخية" و"لا مفر منها" (Wodak & Meyer, 2009).

وفي هذا الصدد، يعد برنامج 《五星耀中华》(Wǔxīng Yào Zhōnghuá) الذي أنتجته "محطة شينجيانغ للإذاعة والتلفزيون" نموذجاً مثالياً يوضح كيف يتم إضفاء الشرعية على مشروع الهندسة الثقافية الموجه نحو المنطقة على المستويين اللغوي والسيميائي.

4.1. 《五星耀中华》(Wǔxīng Yào Zhōnghuá) – "النجوم الخمس تضيء الصين": استعارة التنوير والبناء الهيمنوني

هذا العمل، بتعريفه الرسمي، هو مسابقة معرفية صُممت لغرض "تعميم اللغة الوطنية المشتركة (البوتونغهوا) وتوريث الثقافة التقليدية الصينية الممتازة". ومع ذلك، فإن التحليل الدلالي والتداولي للعنوان يكشف أن البرنامج هو فعل سياسي يؤسس لتراتبية وجودية أكثر من كونه نشاطاً تربوياً.

4.1.1. التحليل الدلالي والسيميائي

النجوم الخمس (Wǔxīng) والكناية السياسية: يشير دال "النجوم الخمس" مباشرة إلى علم جمهورية الصين الشعبية وأساسها الدستوري. من الناحية السيميائية، يمثل هذا التعبير النجم الكبير (الحزب الشيوعي الصيني) والنجوم الأربعة الصغيرة المحيطة به (الطبقات الشعبية/المجموعات العرقية). هنا، تعتبر "النجوم الخمس" كناية قوية عن جهاز الدولة وسلطة الحزب. إن اختيار "النجوم" كفرد فاعل (سارد) لبرنامج ثقافي يوحي بأن المجال الثقافي ليس مستقلاً، بل هو امتداد مباشر للإرادة السياسية المتمركزة حول الحزب.

الإضاءة (Yào – 耀) وأسطورة "التنوير": يشير فعل (Yào) المختار إلى فاعلية أحادية الجانب، من الأعلى إلى الأسفل (top-down). النور (السارد/الدولة) يضيء ما هو مظلم أو غير واضح (المفعول به/المنطقة). تظهر هذه البنية الاستعارية تماثلاً هيكلياً مع خطاب التنوير الغربي "إضاءة العصور المظلمة بالعقل" ومع مفهوم "مهمة التمدين" (Mission Civilisatrice) الاستعماري (Koselleck, 1988). فعل الإضاءة ينتج فرضية مسبقة مفادها أن المساحة التي تتعرض للنور (ثقافة تركستان الشرقية) هي مساحة غير مرئية أو ناقصة أو "غير تنويرية" بدون هذا الضوء.

الأمة الصينية (Zhōnghuá – 中华) وبناء الهوية العليا: مفهوم "جونغخوا" هو فئة فوق-قومية تمت صياغتها منذ بداية القرن العشرين من قبل مثقفين مثل ليانغ تشيتشاو، تذيب التنوع العرقي تحت مظلة ثقافية وولاء سياسي واحد. استخدام هذا المصطلح كهدف مستهدف في اسم البرنامج يضع فكرة "الصيننة" في إطار علوي غير قابل للنقاش تاريخياً وأخلاقياً وثقافياً (Leibold, 2013). وتعتبر الهوية الأويغورية مقبولة فقط بقدر ذوبانها في بوتقة "جونغخوا" هذه.

4.1.2. الاستنتاجات اللسانية الثقافية والأيديولوجية

يؤسس اسم البرنامج لإبستمولوجيا (نظرية معرفة) لا تقر بالوجود الأنطولوجي للثقافات والهويات في تركستان الشرقية إلا عندما تصبح مرئية تحت ضوء "النجوم الخمس". هنا، الظهور الثقافي ليس حقاً مستقلاً، بل هو امتياز ممكن فقط عبر اعتراف (recognition) وإضاءة السلطة السياسية المركزية. يتوافق هذا مع مفهوم هومي بابا عن "السردية التربوية للأمة": حيث تفرض الدولة القومية زمنها وسردها المتجانس على كتل بشرية متباينة بلغة تعليمية (Bhabha, 1990).

وبينما يتم تشفير استعارة "التنوير" (Yao) بالحداثة والعلمانية والعقلانية، توضع الممارسات المحلية أو الدينية أو التقليدية كعناصر يجب تحويلها وعقلنتها و"تعقيمها" تحت هذا الضوء. إن تأكيد مخرجة البرنامج "وانغ جيويا" على "القوالب التي تعجب الشباب" و"الأجواء الممتعة" يشير إلى عملية تجميل الأيديولوجيا. إذ لا تُقدم الأسرلة كسياسة دولة قسرية، بل كسلعة استهلاكية مرغوبة وحديثة وممتعة (Gamification of Propaganda).

وفي محور السياسات اللغوية، تضفي "أنوار الحضارة" التي يوحي بها العنوان الشرعية على عملية محو اللغات المحلية من المجال العام واستبدالها بالصينية المعيارية (البوتونغهوا). اللغة هنا تكف عن كونها وسيلة تواصل، لتتحول كما ذكر بنديكت أندرسون إلى شرط مسبق للولاء للمجتمع المتخيل ولتكون "متحضراً" (Anderson, 1983).


4.2. 《新民族舞大会》(Xīn Mínzú Wǔ Dàhuì) – "مسابقة الرقص الشعبي الجديدة"

يؤكد النص بشكل خاص أن هذا البرنامج "يشجع الوحدة الوطنية" ويستخدم "الأسلوب الفريد لرقص شينجيانغ". ومع ذلك، فإن اسم البرنامج نفسه يظهر بوضوح الحدود التي يتم ضمنها الاعتراف بهذا "التفرد" وكيف يتم إعادة تأطيره. ومن منظور اللسانيات الثقافية، يعد هذا الاسم مرشحاً أيديولوجياً قوياً يحدد شروط قبول الثقافة العرقية.

4.2.1. الوظيفة الأيديولوجية واللغوية لصفة "الجديد" (新, Xin)

بينما تخلق صفة "Xin" (جديد) في اسم البرنامج إيحاءً جمالياً وتجديدياً على السطح، فإنها تحمل حمولة أيديولوجية ثقيلة في البنية العميقة. في اللغة الصينية، لا تعني "Xin" مجرد حداثة زمنية، بل تتضمن معنى تجاوز القديم وتحويله وإعادة تنظيمه. لطالما استُخدمت مفاهيم "الإنسان الجديد" و"المجتمع الجديد" و"الثقافة الجديدة" في الخطاب الثوري الصيني بالتزامن مع ترميز ما ينتمي للماضي كإشكالي أو متخلف (Dirlik, 1995).

النقطة المثيرة للاهتمام هنا هي أن مقطع "Xin" هو في الوقت نفسه المكون الأول لكلمة "Xinjiang" (شينجيانغ - الحدود الجديدة). هذا التطابق اللغوي ليس مصادفة، بل يتسق مع تصور المنطقة كفضاء يجب "إعادة بنائه" و"إعادة تشكيله" تاريخياً. وهكذا، لا يصبح "الرقص الشعبي الجديد" مجرد فئة جمالية، بل يصبح امتداداً ثقافياً لسردية "شينجيانغ الجديدة".

4.2.2. إعادة الترميز الثقافي وتسييس الأداء

الرقصات الأويغورية والقازاقية وغيرها المعروضة في البرنامج تحمل في سياقاتها التقليدية غالباً وظائف طقوسية أو دينية أو موسمية أو مجتمعية. ومع ذلك، عندما تُنقل هذه الرقصات إلى قوالب التلفزيون والمسرح، فإنها تُنتزع من سياقاتها الاجتماعية الخاصة لتتحول إلى موضوعات استعراضية (spectacular). وبتعبير غي ديبور، تكف الثقافة هنا عن كونها "ممارسة معاشة" لتصبح "عرضاً يُشاهد" (Debord, 1967).

صفة "الجديد" هي المفهوم المفتاحي الذي يضفي الشرعية على عملية التحول هذه. تُنقى الرقصات من العناصر "المتقادمة" أو "المحلية" أو "غير المتوافقة" المحتملة، وتُعاد صياغتها لتلائم المعايير الجمالية الحديثة والعلمانية والاشتراكية. وتعمل هذه العملية من منظور اللسانيات الثقافية كآلية "تعقيم ثقافي" (cultural sanitization). فبينما يتم تشذيب العناصر الطقوسية أو الإيحاءات الدينية أو المعاني السياسية، يتبقى تمثيل فلكلوري ملون وحيوي وغير ضار.

4.2.3. معيار "الوحدة الوطنية" والاعتراف الثقافي المشروط

كما هو موضح صراحة في تعليق "جونغ تشنغ شيانغ" المشار إليه في النص، فإن قيمة وقبول هذه الرقصات مرهون بقدرتها على "تشجيع وحدة القوميات". هذا التعبير يوضح أن الثقافة العرقية لا تحمل قيمة ذاتية مستقلة؛ بل تُشرعن فقط بقدر خدمتها لسردية الوحدة الوطنية. يمكن قراءة هذه الحالة كشكل مقلوب لمفهوم تشارلز تايلور عن "سياسة الاعتراف": فالاعتراف لا يحدث على أساس المساواة، بل على أساس الامتثال المشروط (Taylor, 1994).

 

5. صيغة الميديم والسلطة اللغوية

يقدم برنامج (ما بووا يشرح القانون - 老马说法) المذكور في النص، من حيث صيغته واختيار المذيع والتفضيلات اللغوية، نموذجاً صارخاً لاستراتيجية توطين وإضفاء الشرعية على السلطة القانونية للدولة. تهدف السردية المبنية عبر المذيع "محمود سالي" إلى تقديم القانون ليس كمجموعة قواعد فحسب، بل كنظام معايير تم استدخاله ثقافياً.

5.1. شخصية السلطة: "ما بووا" (老马, Lao Ma)

تحمل صفة "Lao" (老 – مسن/بووا) المستخدمة في اسم البرنامج إيحاءات بالسلطة الأخلاقية والاجتماعية في اللغة الصينية أكثر من العمر البيولوجي. ترتبط "Lao" بالحكمة والخبرة والموثوقية والتقاليد. وفي هذا السياق، يوضع "ما بووا" ليس فقط كمذيع تلفزيوني، بل كمرشد أخلاقي وحتى كشخصية تربوية. أما حمل المذيع لاسماً عرقياً (محمود)، فيجعل هذه السلطة ذات طبقتين:

1.قرب أفقي: شخص من الشعب المحلي، "واحد منا".

2.شرعية عمودية: وسيط ينقل قوانين الدولة بشكل صحيح.

5.2. اللغة المعيارية (البوتونغهوا) والتراتبية اللغوية

أحد الجوانب الأكثر حرجاً في البرنامج هو نقل الخطاب القانوني عبر اللغة الصينية المعيارية (البوتونغهوا). تُقدم المصطلحات والمفاهيم القانونية إما مباشرة بالبوتونغهوا أو تُشرح عبر ترجمات من اللغات المحلية. تنتج هذه الحالة تراتبية لغوية قوية:

لغة القانون: الصينية المعيارية.

اللغة المفسرة/المساعدة: اللغات المحلية أو الصينية بلكنة محلية.

من منظور اللسانيات الثقافية، يرسم هذا الهيكل الحدود بين "المعرفة المشروعة" و"الشرح المساعد". يمكن هنا تطبيق مفهوم بيير بورديو عن "اللغة المشروعة" بشكل مباشر: لغة الدولة هي حاملة الرأس مال القانوني والرمزي؛ أما اللغات الأخرى فهي أدوات تُستخدم للوصول إلى هذا المركز (Bourdieu, 1991).

 

7. "قصص شينجيانغ" (新疆故事): السردية الهيمنونية والفلترة الإبستمولوجية

إن تعبير "قصص شينجيانغ" (新疆故事 – Xīnjiāng Gùshì) الوارد في مانشيت النص والمقدم كملخص للمهمة المؤسسية، رغم كونه يبدو للوهلة الأولى جهداً بريئاً لتوثيق ثقافي، إلا أنه عند فحصه من منظور اللسانيات الثقافية وتحليل الخطاب النقدي، يظهر كـ "مفهوم استراتيجي" يرمز لـ "الهيمنة السردية" (narratological domination) للدولة على المنطقة.

هذا التعبير هو الإسقاط المحلي لعقيدة "رواية قصة الصين بشكل جيد" (Jianhao Zhongguo Gushi) التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ في عام 2013 وأصبحت أساس استراتيجية الدعاية العالمية (Brady, 2015). تعني "قصص شينجيانغ" إعادة بناء الواقع المعقد والمتصادم والصادم للمنطقة داخل حبكة الأحداث التي ترغب فيها الدولة.

7.1. "القصة" (Gushi) في مواجهة التاريخ والواقع المصاغ

تنفصل كلمة "قصة" (Gushi) أنطولوجياً عن مفهوم "التاريخ" (Lishi). فبينما يعتمد التاريخ على الوثيقة والسببية والمساءلة النقدية؛ تعتمد القصة على الخيال والعاطفة وانتقائية "السارد" (narrator). ورغم استخدام فعل "تسجيل" (jilu) القصص في النص الخبري، فإن الفعل الممارس هو عملية "تقييم واختيار" (curation). وبناءً على "النموذج السردي" لوالتر فيشر، يدرك البشر العالم عبر القصص المتماسكة أكثر من الحجج العقلانية (Fisher, 1984). تقوم الدولة بإخراج تركستان الشرقية من كونها مساحة صراع سياسي، لتحولها إلى "عالم حكائي" محدد البنية الدرامية مسبقاً (تطور، انسجام، امتنان).

7.2. من هو السارد؟: الذات المتحدثة وصمت "التابع"

المشكلة الأساسية في تعبير "قصص شينجيانغ" هي: من هو ذات القصة؟ سؤال سبيفاك الشهير "هل يمكن للتابع أن يتكلم؟" (Can the Subaltern Speak?) يحمل أهمية حيوية هنا (Spivak, 1988).

السارد الهيمنوني: "مركز برامج القمر الصناعي" الممدوح في النص هو السارد الوحيد المشروع للقصة. السكان المحليون (الأويغور، القازاق) ليسوا كتاب هذه القصص، بل هم في موقع الشخصيات. يمكن للشخصية أن تتكلم أو تفرح أو تحزن داخل الحدود التي رسمها الكاتب؛ لكنها لا تملك تغيير حبكة القصة (plot).

الذاكرة الانتقائية والنسيان: في سياق نظرية "الذاكرة الثقافية" لأليدا أسمان، كل فعل تذكر هو في الوقت نفسه فعل نسيان (Assmann, 2011). بينما تُذكر "قصص شينجيانغ" فقط اللحظات التي تحمل "طاقة إيجابية" (zheng nengliang) — الرقصات العرقية، التنمية الاقتصادية، آثار السلالات الحاكمة — فإنها تترك الألم والمقاومة والضياع الثقافي لـ "نسيان" ممنهج.

الخاتمة

يُظهر التحليل اللساني الثقافي المنفذ على خبر "يومية شينجيانغ" الصادر في 3 يناير 2026 والبرامج التلفزيونية الممدوحة فيه، أن استراتيجية الإعلام الصينية تجاه تركستان الشرقية هي مشروع إعادة بناء أنطولوجي عميق يتجاوز كونه مجرد نشاط دعائي بسيط. تضع أسماء البرامج والخطابات الإعلامية التي تم فحصها الواقع الثقافي والتاريخي للمنطقة على "خريطة معرفية" جديدة متوافقة مع الأيديولوجيا المركزية للدولة.

أهم النتائج المستخلصة من التحليل هي:

1.استعارات "التنوير والتغذية": مفاهيم مثل "Wenhua Runjiang" (التغذية بالثقافة) و"إضاءة النجوم الخمس للصين" ترمز لثقافة الأويغور كـ "ناقصة" أو "مظلمة" أو "قاحلة"، بينما تضع الثقافة المركزية الصينية في مقام السارد "المحول" و"المحيي". هذا المخطط التراتبي يقدم سياسات الأسرلة كـ "فضل تمديني".

2."الجديد" (Xin) والانقطاع التاريخي: التسميات مثل "الرقصات الشعبية الجديدة" أو "شينجيانغ (الحدود الجديدة)" تضمن اختزال الثقافات العرقية إلى "عروض معقمة" متوافقة مع المعايير الجمالية للدولة والاشتراكية الحديثة عبر انتزاعها من سياقاتها الذاتية والتاريخية.

3.التحول من ذات سياسية إلى موضوع سياحي: عناوين مثل "أنتظرك في شينجيانغ" و"الشتاء الذي يجعل القلب يخفق (جديداً)" تعيد تسويق المنطقة كوجهة سياحية قابلة للاستهلاك ورومانسية وغريبة (exotic) بدلاً من كونها قضية أمنية. هذا الخطاب يحول السكان المحليين إلى شخصيات سلبية "تنتظر"، والمنطقة إلى "خشبة مسرح" تُشاهد.

في الختام، تعبير "قصص شينجيانغ" (Xinjiang Gushi) ليس سردية يُسمع فيها صوت المنطقة الخاص؛ بل هو تقديم لتصور الدولة عن المنطقة عبر تجميله في قالب "قصة". تخفي هذه السردية الهيمنونية، خلف ستارة منسوجة بكلمات "الانسجام" و"البهجة" و"الوحدة"، محو الذاكرة الثقافية وبناء هوية وطنية أحادية الصوت. وبالتالي، فإن الإعلام في تركستان الشرقية ليس مجرد مراقب يسجل الأحداث؛ بل هو أقوى جهاز أيديولوجي ينتج الحقيقة بما يتماشى مع رغبة الدولة.

 

قائمة المراجع

Attali, J. (1977). Noise: The Political Economy of Music.
Brady, A. M. (2015). Authoritarianism Goes Global (II): China’s Foreign Propaganda Machine.
Connerton, P. (1989). How Societies Remember.
Debord, G. (1967). La société du spectacle.
DeNora, T. (2000). Music in Everyday Life.
Dirlik, A. (1995). The Postcolonial Aura.
Fairclough, N. (1995). Critical Discourse Analysis.
Fisher, W. R. (1984). Narration as a Human Communication Paradigm.
Foucault, M. (1977). Discipline and Punish.
Foucault, M. (1980). Power/Knowledge.
Lakoff, G. (2002). Moral Politics.
Lakoff, G., & Johnson, M. (1980). Metaphors We Live By.
Palmer, G. B. (1996). Toward a Theory of Cultural Linguistics.
Said, E. W. (1978). Orientalism.
Sharifian, F. (2011). Cultural Conceptualisations and Language.
Spivak, G. C. (1988). Can the Subaltern Speak?
Taylor, C. (1994). Multiculturalism and the Politics of Recognition.
Wodak, R., & Meyer, M. (2009). Methods of Critical Discourse Analysis.
يومية شينجيانغ (3 يناير 2026). مواكبة نبض العصر، تسجيل قصص شينجيانغ. الصفحة A02.