صدر حديثا عن مركز ساجية للبحوث والدراسات الإسلامية كتاب تهذيب الإعلام ببعض رجالات تركستان

كلمة الناشر
 
ما في هذا الكتاب قطرة من بحر تاريخ علمائنا الأمجاد وآبائنا الأبطال التركستانيين الذين نشروا الإسلام وثبتوه فيها وفي ربوع العالم، ورفعوا لواء العلم، وكافحوا الجهل وأسهموا في الحضارة الإنسانية في كل ميدان وفن. وتركستان بلاد الترك كانت تعرف بين المؤرّخين بـ«بلاد ما وراء النهر»، فأما الجانب الغربي منها فيشتمل على الجمهوريات الإسلامية الخمسة التي استقلت عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي جمهوريات كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وأما الجانب الشرقي منها وهي بلاد تركستان الشرقية فقد تشرفت بالإسلام منذ القرن الأول الهجري، وعم الإسلام في هذه البلاد عندما أسلم خاقان الترك سَتوقْ بُغْرا خان (عبدالكريم) في القرن الرابع الهجري، وقام فيها أول دولة تركية إسلامية قوية باسم «الدولة القاراخانية» التي حكمها أتراك الأويغور والقارلوق وياغما، وتمددت في بلاد ما وراء النهر فيما بين 840-1212م، وأصبحت مركزا من مراكز العلم والثقافة، وقدمت للعالم علماء في ميادين شتى من العلم والثقافة كما أصبحت قلعة حصينة للإسلام في الشرق، وقام أهلها بدور بارز في نشر الإسلام حاملين لواء الجهاد والدعوة الإسلامية.
 
ودامت في هذه البلاد دول الأتراك المختلفة عبر التاريخ إلا أن الأخيرة منها أعني دولة يعقوب بك وقعت بأسرها تحت الاحتلال الصيني سنة 1878م حتى أعلنت في التاسع عشر من نوفمبر سنة 1884 أن تركستان الشرقية مقاطعة صينية، وذلك مما أدى إلى ثورة التركستانيين وقيام «جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية» في الثاني عشر من نوفمبر عام 1933م، ثم قيام «جمهورية تركستان الشرقية الثانية» في الثاني عشر من نوفمبر عام 1944م.
 
وفي سنة 1949م احتلها الشيوعيون الصينيون، ثم بدأت المأساة التي لا يعرف عنها شيئا كثير من إخواننا في العالم الإسلامي. ودامت عهود مليئة بالإرهاب والظلم والغصب والتصفية الجسدية للعلماء والزعماء والوطنيين الأحرار والوجهاء والأثرياء، وبإقامة معسكرات الاستخدام الإجباري، ومصادرة الأملاك والأوقاف، وتحريق المصاحف والكتب الإسلامية، وتهجير الأهالي من تركستان الشرقية إلى داخل الصين وترحيل الصينيين إليها، ومحاربة كل ما يمت للإسلام والهوية التركية من قيم وعادات ولغات وثقافة وتراث… ثم اشتد الظلم والقهر في السنوات الماضية حتى الآن، وبلغ ذروته في غفلة وسكوت من العالم الإسلامي والتركي والإنساني. ولك أن ترى مظاهر الظلم متمثلة في التطهير العرقي والزواج الإجباري مع الصينيين وقمع الحريات في كل المجالات مع طمس الخصوصية الثقافية واللغوية والإثنية والمس بالمقدسات.
 
ومنذ أن سادت في تركستان الشرقية دولة بعد دولة حتى أخرجت لنا الملوك، والأمراء، والزعماء، والعلماء، والكتّاب، والمجاهدين، والقضاة، والشهداء، والمدرسين، والمفتين، والثوريين الوطنيين… كما أخرج الخونة والعملاء وأمثالهم.
 
والمؤلف محمد قاسم رحمه الله ممن هاجر وهو ابن التاسع عشر من عمره مع أبيه أمين بنية الهجرة إلى الحرمين الشريفين فرارا من الظلم والقهر. ومنذ ذلك اليوم لم يَفْتُرْ قَلَمُه عن خدمة العلم، ولم ينس وطنه تركستان الشرقية، فألف الكتب والمقالات، وحاضر في الندوات عن تركستان الشرقية، واستمر في خدمة وطنه الأول كغيره من المهاجرين التركستانيين الذين اهتموا بالقضية التركستانية وبالجالية التركستانية والطلاب التركستانيين في الخارج حتى آخر أنفاسهم، وبقيت القضية في وجدانهم ونصب أعينهم أمثال الدكتور عبد القادر طاش رحمه الله. اللهم اغفر لهم، وأجزل لهم أجر ما قدموا من خدمة لدينهم ووطنهم وأبناء وطنهم، واجمعنا وإياهم في مستقر رحمتك.