تقرير الحريات الدينية الدولية لعام 2026 والوضع في تركستان الشرقية

معهد أبحاث الأويغور

أصدرت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF) رسمياً تقريرها السنوي الأحدث بعنوان "تقرير الحريات الدينية الدولية لعام 2026"، في العاصمة واشنطن في مارس 2026. لا يقدم هذا التقرير تقييماً شاملاً وعلمياً لحالة الحرية الدينية على مستوى العالم فحسب، بل يُعد أيضاً مرجعاً سياسياً بالغ الأهمية للمجتمع الدولي، لا سيما من حيث كشفه العميق لسياسات الإبادة الجماعية الممنهجة التي تمارسها الصين ضد الأويغور والشعوب التركية الأخرى في تركستان الشرقية. إن الأهمية العالمية لهذا التقرير تتجاوز كونه مجرد سجل لحقوق الإنسان؛ إذ يوفر أساساً علمياً وقانونياً مباشراً للحكومة الأمريكية والكونغرس وصناع القرار لاتخاذ خطوات ملموسة وحازمة في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية وإنفاذ القانون. وفي الوقت نفسه، وفي خضم تزايد الأزمات العالمية، يحلل التقرير بعمق الأيديولوجية السياسية الاستبدادية للحزب الشيوعي الصيني، الذي يعتبر المعتقدات الدينية تهديداً خطيراً لبقاء الدولة، ويُبرز بقوة على الساحة الدولية أبعاد الإبادة العرقية والثقافية للاضطهاد الذي يتعرض له شعب تركستان الشرقية.

إطار الاضطهاد الديني الممنهج في الصين واستراتيجية "إضفاء الطابع الصيني"

يُسلط التقرير الضوء على الدولة الصينية كواحدة من أكثر الأنظمة الاستبدادية التي تنتهك الحرية الدينية عالمياً بشكل ممنهج وقاسٍ. للسيطرة على المعتقدات الدينية، لم تكتفِ الحكومة الصينية بالأوامر الإدارية، بل أنشأت شبكة معقدة من القوانين واللوائح والسياسات، واضعةً الحياة الدينية بأكملها تحت السيطرة المطلقة لآلية الدولة. ومن خلال إرهاب الدولة المُقنّن هذا، ينظر الحزب الشيوعي الصيني إلى أي نشاط ديني مستقل على أنه تحدٍ وتهديد مباشر لسلطته السياسية، ويسعى إلى القضاء عليه فوراً وبلا رحمة.

وكما يؤكد التقرير، فإن السياسة الحالية الأكثر خطورة وتوسعاً للحكومة الصينية هي استراتيجية "إضفاء الطابع الصيني على الدين" القسرية. تهدف هذه السياسة في جوهرها إلى دمج المعتقدات الدينية مع الأيديولوجية السياسية الاستبدادية للحزب، وبالتالي تغيير الجوهر الروحي والأخلاقي للدين وتحوله إلى أداة دعاية موالية للحزب. لا تقتصر هذه الاستراتيجية على التحول الأيديولوجي، بل تشمل أيضاً أعمال تدمير مادي، مثل الحظر التعسفي للتقاليد الدينية الأصلية للأقليات العرقية، وهدم المساجد ودور العبادة، أو إجبارها على تغيير طرازها المعماري ليطابق الطراز الصيني.

ويشير التقرير إلى أن إشادة الرئيس الصيني شي جين بينغ بنجاحات مشروع "إضفاء الطابع الصيني" خلال زياراته إلى تركستان الشرقية والتبت في عام 2025، تثبت بوضوح أن سياسة الإبادة الجماعية هذه تُنفذ من القمة إلى القاعدة بتوجيه مباشر من أعلى قائد في الدولة. بالإضافة إلى ذلك، رفعت الحكومة الصينية سيطرتها على الإنترنت والتكنولوجيا إلى مستويات غير مسبوقة، فمن خلال لائحة جديدة صدرت في سبتمبر 2025، حُظر على الشخصيات الدينية القيام بأي نشاط ديني عبر الإنترنت على أي موقع غير معتمد حكومياً، مما أدى إلى خنق المساحة الضيقة للتعبير والاعتقاد في العالم الرقمي.

الاستيعاب القسري والإبادة الجماعية في تركستان الشرقية

يحتل وضع تركستان الشرقية مكانة مركزية في هذا التقرير الدولي، حيث تُعتبر الإجراءات القاسية التي تتخذها الصين في هذه المنطقة انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وحملة ممنهجة للإبادة الجماعية والمحو الثقافي. ووفقاً للأدلة الملموسة المقدمة، لا يزال هناك ما لا يقل عن نصف مليون من الأويغور والكازاخ والقرغيز والشعوب التركية الأخرى محتجزين في معسكرات الاعتقال والسجون في تركستان الشرقية، ويتعرضون لتعذيب لا إنساني. وعلى الرغم من ادعاءات الحكومة الصينية بإغلاق أو تحويل هذه المعسكرات استجابةً للضغوط الدولية، إلا أن التقرير يؤكد أن الصين قد نقلت أعداداً هائلة من المدنيين الأبرياء إلى السجون، مما نقل الاضطهاد إلى مرحلة جديدة وأكثر سرية. وإلى جانب تحويل المجتمع بأسره إلى سجن كبير، تطبق الحكومة الصينية برامج عمل قسري ضخمة وممنهجة، بهدف كسر الإرادة الجسدية والروحية للشعوب المسلمة المحلية عبر استعبادهم.

كما يُبرز التقرير قيام السلطات الصينية بفصل الأطفال عن عائلاتهم بالقوة واحتجازهم في مدارس داخلية تخضع لرقابة صارمة، مما يوسع نطاق استيعاب الأجيال الجديدة. إن التخريب المتعمد للبنية الديموغرافية وحرمان ملايين الأطفال من لغتهم وعقيدتهم ووالديهم يُعد، بموجب القانون الدولي، من أقسى أشكال الإبادة الجماعية. وتؤكد هذه الوثيقة أن استراتيجية الاستيعاب الشاملة هذه هي جريمة تهدف إلى محو الهوية الثقافية والدينية لشعب الأويغور من الوجود إلى الأبد.

تجريم الحياة الدينية اليومية وإرهاب الدولة

في تركستان الشرقية، تعتبر السلطات الصينية حتى أبسط الأنشطة الدينية اليومية داخل الأسرة جريمة خطيرة ضد أمن الدولة، وتُعاقب عليها بذرائع سياسية قاسية. وفقاً للتقرير، كشفت وسائل إعلام مستقلة في يناير 2025 عن قضية مروعة حُكم فيها على امرأة أويغورية مسلمة تُدعى سيليخان روزي بالسجن المشدد لمدة 17 عاماً، لمجرد تعليمها أطفالها وإحدى جاراتها بعض آيات القرآن. إن معاقبة حق إنساني أساسي، كتعليم الأم لأطفالها الصلاة في المنزل، بالسجن 17 عاماً، يوضح أن حملة الصين المزعومة لمكافحة الإرهاب هي في الواقع حرب معلنة ضد الإسلام ووجود المسلمين. وتُعد قضية سيليخان روزي دليلاً حياً على أن النظام القانوني الصيني قد تحول إلى جهاز قمعي مرعب يهدف إلى السيطرة على عقول المواطنين ومعتقداتهم بقوة السلاح.

علاوة على ذلك، بلغت القيود الصينية على الأعياد الدينية وشهر رمضان مستويات متطرفة. ففي مارس 2025، أجرت السلطات تفتيشاً صارماً وأمرت المسلمين الأويغور بتقديم أدلة فيديو (تسجيلات مرئية) تثبت أنهم لا يصومون. إن إجبار حكومة استبدادية مواطنيها على تقديم أدلة على خيانتهم لمعتقداتهم يُعد عنفاً نفسياً غير مسبوق في التاريخ السياسي العالمي، ويهدف إلى تدمير الكرامة القومية والدينية وخلق أفراد مستسلمين تماماً لآلة الدولة.

القمع العابر للحدود، الاختراق الدولي، وحملات التضليل

لم يقتصر القمع الممنهج للحزب الشيوعي الصيني على الداخل، بل تحول إلى قمع عابر للحدود يتحدى القانون الدولي. يشير التقرير إلى أن الحكومة الصينية تستخدم التكنولوجيا المتقدمة لمراقبة ومضايقة وإسكات الأويغور والتبتيين في المنفى (في العالم الحر). ويُعد الحدث الذي وقع في فبراير 2025، عندما قامت الحكومة التايلاندية بترحيل 40 أويغورياً قسراً إلى الصين، مثالاً صارخاً على الاختراق الصيني، حيث تجاهلت تايلاند القانون الدولي رغم معرفتها بأن المرحلين سيواجهون التعذيب. هذا يُظهر كيف تتفوق ضغوط الصين الدبلوماسية والاقتصادية على مبادئ حقوق الإنسان.

كما أسست الصين شبكات تجسس داخل مجتمعات الشتات في الدول الديمقراطية. في فبراير 2025، أكدت سويسرا أن المخابرات الصينية تجبر الأويغور والتبتيين على التجسس على إخوانهم. وفي مايو 2025، فككت تركيا شبكة تجسس صينية تتعقب الأويغور المنفيين. تُمثل هذه الأعمال استفزازاً خطيراً لسيادة الدول. وبالإضافة إلى ذلك، تُنفق الصين أموالاً طائلة لنشر الأخبار الكاذبة وحملات التضليل لتغطية جرائمها وتشويه حقائق تركستان الشرقية على الساحة الدولية.

الرد السياسي للولايات المتحدة والتدابير القانونية وموقف المجتمع الدولي

نفذت حكومة الولايات المتحدة تدريجياً سلسلة من العقوبات لحماية شعب تركستان الشرقية ومواجهة الانتهاكات الصينية. دبلوماسياً، في مارس 2025، أدان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشدة ترحيل الأويغور من تايلاند، وأعلن سياسة قيود صارمة على التأشيرات للمسؤولين الدوليين المتواطئين في الترحيل القسري للأقليات الدينية. هذه السياسة الرادعة لا تعاقب المسؤولين الصينيين فحسب، بل تشمل أي شركاء دوليين يساهمون في القمع الصيني العابر للحدود.

اقتصادياً، أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية في أغسطس 2025 عن قطاعات جديدة عالية المخاطر سيتم التدقيق فيها بموجب "قانون منع العمل القسري للأويغور" (UFLPA)، لتضييق الخناق على أرباح الصين من العمل القسري. وفي سبتمبر 2025، أقر مجلس النواب الأمريكي بدعم من الحزبين "قانون سياسة الأويغور لعام 2025"، والذي يُلزم وزارة الخارجية بجعل قضية الأويغور أولوية قصوى. كما طالبت آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في فبراير ويوليو 2025، الصين بتقديم إيضاحات عاجلة حول قضايا حقوق الإنسان البارزة، مثل قضية المفكر الأويغوري المعتقل إلهام توهتي.

الخاتمة

يُظهر تقرير عام 2026 للجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية بأدلة قاطعة حملة الإبادة الجماعية والمحو الثقافي التي تنفذها الصين في تركستان الشرقية. وقد أكدت هذه الوثيقة أن آلة القمع الصينية تمثل تهديداً حقيقياً ومباشراً ليس فقط لشعب تركستان الشرقية، بل لقيم حقوق الإنسان العالمية والأنظمة الديمقراطية. إنها مهمة تاريخية عاجلة للدول الديمقراطية الحرة والمجتمع الدولي ألا يكتفوا بالبيانات الدبلوماسية، بل يجب أن يتكاتفوا لاتخاذ أقوى التدابير السياسية والاقتصادية والقانونية. فقط من خلال تدخل دولي حازم وموحد يمكن إنقاذ كرامة ولغة وحرية وملايين الأبرياء في تركستان الشرقية، وحماية نظام العدالة والقانون في العالم.