بقلم: أنيش كومار (Anish Kumar)
نيودلهي: في مارس 2008، احتشد مئات المتظاهرين الأويغور في مدينتي خوتان وقاراقاش اللتين تعدان من واحات منطقة شينجيانغ الصينية. واندلعت هذه الاحتجاجات غداة وفاة رجل الأعمال الأويغوري المرموق، مطاليب حاجم، أثناء احتجازه لدى الشرطة، وسط أوامر صارمة بدفنه في سرية تامة.
وقعت هذه التظاهرات قبل أيام معدودة من اضطرابات التبت التي هزت أركان السلطة في بكين قبيل انطلاق أولمبياد 2008. وفيما ضربت قوات الأمن حصاراً خانقاً على المتظاهرين واعتقلت المئات منهم، نضبت المعلومات الصادرة من المنطقة، ولم يرَ العالم سوى شذرات مجزأة من توترات مكتومة كانت تغلي تحت سطح شينجيانغ لسنوات طويلة.
ماذا حدث في شينجيانغ عام 2008؟
لم تكن تلك الاحتجاجات وليدة الصدفة؛ فبحلول عام 2008، كانت الثقافة الأويغورية ترزح تحت وطأة ضغوط ممنهجة. إذ فرضت بكين قيوداً مشددة على الممارسات الدينية، وحرمت المسلمين من صيام رمضان، وصادرت الكتب الدينية، وأخضعت المساجد لرقابة الدولة المباشرة.
كما شهدت تلك الفترة تصفية تدريجية لمدارس اللغة الأويغورية لصالح التعليم القسري باللغة الماندرينية. ترافق ذلك مع تدفق بشري هائل من صينيي الهان إلى المنطقة، بدعم وتحفيز اقتصادي من بكين، مما أدى إلى تهميش الأويغور اقتصادياً وثقافياً في عقر دارهم.
في تلك الاحتجاجات، لم يطالب الأويغور بالانفصال، بل طالبوا بحق الوجود بكرامة؛ طالبوا بالتحدث بلغتهم، وممارسة عقيدتهم، وتوريث تاريخهم لأبنائهم.
أصوات الأويغور التي حاولت الصين كتمها
كان الرد الصيني خاطفاً وحازماً؛ حيث استنفرت قوات الأمن على الفور، وتم طرد الصحفيين الأجانب أو احتجازهم عند نقاط التفتيش لمنعهم من الوصول إلى شينجيانغ. وكانت التغطية الإعلامية الدولية شحيحة ومجزأة ومخضوعة لفلترة رقابية شديدة.
وثقت منظمات دولية مثل "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية حملة القمع في تقارير لاحقة، مشيرة إلى اعتقال العشرات، ومؤكدة أن السلطات تعمدت إخفاء الحجم الحقيقي للأحداث عن الرأي العام العالمي.
تكمن خطورة الرد الصيني ليس في سرعته فحسب، بل في كونه "مخططاً أولياً" لما سيأتي لاحقاً. فالتعتيم الإعلامي الذي فُرض في مارس لم ينتهِ بانقضاء الحدث، بل تحول إلى استراتيجية ثابتة.
أدركت الصين حينها أنها تستطيع قمع حدث بهذا الحجم دون أن تواجه محاسبة دولية حقيقية. إن الصمت الذي خيم على شينجيانغ في مارس 2008 لم يكن صمت الاستقرار، بل كان صمت التمهيد لآلة قمع أضخم.
بين عامي 2008 و2017، تضاعف الإنفاق الأمني في شينجيانغ بشكل مطرد، وتوسعت بنية الرقابة التكنولوجية، وطُوّرت خوارزميات لتصنيف الأويغور بناءً على تدينهم أو سفرهم. وعندما انطلق برنامج الاحتجاز الجماعي بعد عام 2017، كان يسير على قضبان آلة قمعية جرى تشييدها بدقة وهدوء على مدار عقد من الزمان.
احتجاجات 2008 التي أدار العالم ظهره لها
منح رد الفعل الدولي الباهت تجاه الاحتجاجات بكين صكاً مبكراً بأن العالم مستعد للتغاضي عما يحدث. وبما أن الصين كانت تستضيف أولمبياد بكين 2008، فقد طغى الحذر السياسي على الدوائر الغربية، حالت المصالح الاقتصادية العميقة دون اتخاذ مواقف حازمة تجاه ما اعتبره البعض "شأناً أمنياً داخلياً".
لكن هذا المنطق تداعى تماماً مع تسريب وثائق رسمية صينية، منها "برقيات الصين" عام 2019، التي أكدت ما قاله الناجون لسنوات: أن نظام الاحتجاز لم يكن تأهيلياً، بل كان عقابياً، ممنهجاً، ومدروساً بعناية.
كان مارس 2008 هو اللحظة التي حاول فيها صوت الأويغور اختراق جدار الصمت، لكنه كان أيضاً اليوم الذي قررت فيه بكين وأد هذا الصوت إلى الأبد. سمعهم العالم حينها بهمس خافت، ثم انشغل عنهم، وهو القرار الذي لا نزال نحصد عواقبه الوخيمة حتى اليوم.