معهد أبحاث الأويغور
يعتبر المقال الذي كتبه "فيليب ستيتشينسكي" ونُشر في 14 أبريل 2026 في مجلة "ناشيونال إنترست" المرموقة تحت عنوان "العالم يرى الأهوال في الصين ولكنه يتجاهلها"، بمثابة نداء عاجل يسلط الضوء على أحلك دهاليز السياسة الدولية. يحلل الكاتب في هذا المقال الجرائم المنهجية التي يرتكبها الحزب الشيوعي الصيني ضد الإنسانية، مستنداً إلى البحث الجديد والشامل الذي أجراه "يان جيكيليك" بعنوان "القتل حسب الطلب: صناعة حصاد الأعضاء في الصين والطبيعة الحقيقية لأكبر خصم لأمريكا". تكتسب هذه الدراسة أهمية سياسية حاسمة لأنها تصور الصراع العميق بين قوى السياسة الواقعية العالمية والقيم الأخلاقية العالمية.
يبدأ المقال بمقارنة سياسية تاريخية مثيرة مع الهولوكوست خلال الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1943، سافر "يان كارسكي"، مبعوث حركة المقاومة البولندية، إلى الولايات المتحدة لتقديم تقارير سرية حول إبادة ألمانيا النازية لليهود بشكل جماعي في بولندا المحتلة. ومع ذلك، فإن "فيليكس فرانكفورتر"، قاضي المحكمة العليا الأمريكية الذي استمع إلى هذا التقرير المروع، رفض تصديق هذه الحقيقة أمام هول ما قيل. وبحسب وجهة نظر الكاتب، فإن عالم اليوم ينجرف إلى دوامة من "الإنكار وعدم التصديق" تماماً كما حدث في ذلك الوقت. فجرائم حصاد الأعضاء في الصين، كما ذكر فرانكفورتر حينها، يتم استبعادها وتجاهلها من قبل العقل العقلاني لأنها مروعة لدرجة لا يمكن قبولها.
إن موقف فيليكس فرانكفورتر في ذلك الوقت يعكس جوهر اللامبالاة السياسية اليوم: عندما تكون الحقيقة وحشية لدرجة لا تطاق، يميل العقل إلى رفضها كآلية دفاعية. ورغم مرور قرن تقريباً وتدريس الهولوكوست كحقيقة تاريخية ودرس إلزامي تحت شعار "لن يتكرر أبداً" في جميع أنحاء العالم، إلا أن العالم لا يزال صامتاً تجاه جرائم مماثلة تحدث في الصين، أو يقلل من شأن هذه التقارير بوصفها "دعاية حربية". النقطة الجوهرية هنا ليست هل نملك المعلومات أم لا، بل هي هل نملك الشجاعة الأخلاقية لتصديق هذه المعلومات المروعة والتحرك بناءً عليها.
يكشف كتاب يان جيكيليك "القتل حسب الطلب" بأدلة لا تقبل الجدل عن الاضطهاد المنهجي لممارسي "فالون غونغ" في الصين وممارسة الاستخراج القسري لأعضائهم الحيوية (حصاد الأعضاء). وبحسب الكاتب، فقد وجد جيكيليك نفسه صعوبة في البداية في تصديق هذه البيانات، واصفاً إياها بأنها "غير واقعية وشيطانية للغاية". ومع ذلك، فإن هذا النهج المتشكك يزيد من مستوى موضوعية البحث؛ لأن الكاتب لم يقترب من القضية بإيمان أعمى، بل وصل إلى الحقيقة من خلال شك عقلاني ومنهج تحقيق منظم.
كما ورد في المقال بوضوح، فإن هذا العمل ليس مجرد كتيب سياسي بسيط أو نص دعائي، بل هو نتاج بحث ميداني دقيق يشمل العمليات الممتدة من أعلى مستويات جهاز الدولة الصيني إلى أدنى سلاسل توريد الأعضاء. قام يان جيكيليك خلال هذه العملية بجمع شهادات جراحي أعضاء صينيين، وناجين من معسكرات الاعتقال، وبيروقراطيين شيوعيين سابقين، وخبراء طبيين أجانب شهدوا هذه الفظائع في الصين. وعند وضع كل هذه الأدلة جنباً إلى جنب، يثبت أن جريمة سرقة الأعضاء في الصين ليست مجرد فساد فردي، بل هي آلية جريمة منهجية منظمة من قبل الدولة نفسها ووصلت إلى نطاق صناعي.
الجانب الأكثر لفتاً للانتباه في هذه الدراسة هو أنها لا تركز فقط على سرقة الأعضاء، بل تكشف أيضاً عن الطبيعة الحقيقية للشيوعية الصينية المعاصرة من خلال هذه الجريمة. وبينما يرى العديد من المحللين الغربيين أن الصين تحولت نحو "الرأسمالية التكنوقراطية" وتخلت عن جمودها الأيديولوجي القديم، يجادل يان جيكيليك بعكس ذلك تماماً. فوفقاً للكاتب، لا يزال النظام الصيني جهازا حيا وقاسيا يعمل بقوة شمولية مطلقة. وفي هذا النظام، ليست الرأسمالية سوى أداة تستخدم لتعزيز سلطة الحزب وتمويل آليات القمع التكنولوجي، وليس لرفاهية الشعب.
يظهر التحليل أن موقف الصين ضد حركة "فالون غونغ" بدأ في أوائل التسعينيات، وهو الوقت الذي سقط فيه جدار برلين وهبت فيه رياح الحرية في العالم. في ذلك الوقت، سمحت إدارة بكين بممارسة "تشي غونغ" المكونة من تمارين التأمل والتنفس التقليدية بهدف تحسين صحة الشعب وخفض النفقات الصحية. ومع ذلك، فإن المبادئ الأخلاقية لفالون غونغ المتمثلة في "الحقيقة، والرحمة، والتسامح" وقاعدتها الجماهيرية التي وصلت إلى ما بين 70 و100 مليون تابع في وقت قصير، اعتبرت تهديداً للأيديولوجية المادية للحزب الشيوعي الصيني والسيطرة المطلقة على المجتمع. أدى تجاوز عدد الأتباع لعدد أعضاء الحزب إلى حالة كبيرة من جنون الارتياب الأمني في بكين.
الفرق الجوهري الذي يميز فالون غونغ عن الحركات الأخرى هو أساسها الروحي والأخلاقي القوي. دعا مؤسسها "لي هونغجي" أتباعه إلى التمسك بالقيم الأخلاقية والتخلص من الطموحات الدنيوية. هذا الموقف الروحي والأخلاقي يتناقض تماماً مع النظرة المادية للعالم التي تشكل أساس الماركسية. وبحسب يان جيكيليك، فإن ارتباط فالون غونغ العميق بالثقافة التقليدية للصين قبل الثورة اعتُبر من قبل الحزب الشيوعي الصيني تحدياً مباشراً لشرعية النظام واحتكاره الأيديولوجي.
نقطة أخرى أكد عليها البحث هي أنه لا يمكن التسامح مع وجود أي هيكل أو فكر مستقل خارج سيطرة الدولة في المجتمعات الشمولية. وبغض النظر عن مدى سلمية أو عدم سياسية أي حركة مجتمع مدني، فإن أي نوع من التنظيم المستقل خارج الهيكل الهرمي للدولة يُنظر إليه كعنصر يزعزع السلطة المطلقة للحزب. ولهذا السبب، وصفت إدارة بكين فالون غونغ بأنها "طائفة خطيرة" وبدأت حملة قمع وإبادة متسلسلة بهدف تصفية هذه الفئة تماماً.
أصبح "المكتب 610"، الذي تأسس في عام 1999 وسمي تيمناً بتاريخ تأسيسه، مركز قيادة آلية القمع غير القانونية هذه في الصين. تم تزويد هذه الوحدة بسلطة الاعتقال والتعذيب ومصادرة الممتلكات بتعليمات مباشرة من الحزب، دون الخضوع لأي رقابة قضائية. وكما ذكر المقال، فإن هذه العمليات التي بدأت تحت مسمى "إعادة التأهيل" تطورت بمرور الوقت إلى نظام قتل منهجي تدعمه الدولة ويهدف للربح. أعطت قيادة الحزب سلطة غير محدودة لهذا المكتب، مما جعل كل أنواع انتهاكات حقوق الإنسان مشروعة باسم بقاء النظام.
إن وصول جريمة سرقة الأعضاء إلى بعد صناعي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هو نتيجة التقاء فساد الدولة مع طلب السوق الدولية عند نقطة مروعة. ورغم أن القوانين الصينية تسمح على الورق باستخدام أعضاء السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، إلا أن الاعتقالات الجماعية لأتباع فالون غونغ وفرت مصدراً ضخماً و"طازجاً" لهذه السوق. هذا النظام يقضي جسدياً على "أعداء" النظام من جهة، ويوفر تدفقاً هائلاً للنقد للخزينة الصينية والمستشفيات العسكرية من خلال "سياح الأعضاء" القادمين من الخارج من جهة أخرى.
التشخيص الأكثر رعباً في المقال هو مفهوم "القتل حسب الطلب". نظرًا لأن الوقت الذي يمكن فيه للأعضاء البشرية البقاء حية خارج الجسم محدود، فإن السلطات الصينية تختار السجين المناسب من قاعدة البيانات بمجرد العثور على مشترٍ، وتقوم بإعدام ذلك الشخص وحصاد أعضائه خلال الساعات القليلة اللازمة لعملية النقل. وبحسب تقديرات يان جيكيليك، فإن عدد الذين قتلوا بهذه الطريقة قد يقترب من المليون. والأخطر من ذلك هو أن هذه الممارسة الإجرامية لم تنتهِ؛ بل على العكس، فقد تم توسيع تطبيق هذا الأسلوب في السنوات الأخيرة كأداة إبادة جماعية منهجية ضد التبتيين وخاصة ضد الأتراك الأويغور في تركستان الشرقية.
ينتقد الكاتب بشدة موقف الدول الغربية تجاه هذا المشهد. فرغم أن الأدلة واضحة تماماً، إلا أن العديد من الدول فضلت غض الطرف عن هذه الفظائع مراعاة لمصالحها الاقتصادية وتوازناتها التجارية. يعتبر يان جيكيليك هذا الوضع جزءاً من استراتيجية "الحرب غير المقيدة" التي تتبعها الصين. وفقاً لهذه الاستراتيجية، يقوم الحزب الشيوعي الصيني بجعل النخب والشركات الغربية تابعة له اقتصادياً وتكنولوجياً، مما يخلق حالة من الشلل الأخلاقي والسياسي تجعل من المستحيل على الغرب رفع صوته ضد هذه الجرائم.
هذا النظام يحكم على العالم الغربي بتواطؤ خفي ومخزٍ. فرغم علم المستهلكين الغربيين بوجود دماء وعمالة عبيد خلف السلع الرخيصة والتطبيقات التكنولوجية والملابس ذات الماركات العالمية التي يستخدمونها، إلا أنهم يتجاهلون ذلك من أجل عدم تعكير صفو راحتهم. إن صلة الماركات العالمية مثل "نايكي" و"غاب" المذكورة في المقال بمعسكرات العمل القسري في تركستان الشرقية هي أوضح مثال على هذا الوضع. إذا كان علينا الاختيار بين سلع استهلاكية رخيصة وبين القيم الإنسانية الأساسية، فإن خيارنا سيحدد هويتنا الأخلاقية ومستوى حضارتنا.
في الختام، يكشف هذا التقرير الذي حلله فيليب ستيتشينسكي عن أكبر أزمة أخلاقية واختبار للضمير يواجهه عالمنا اليوم. إن الصمت تجاه جرائم سرقة الأعضاء المنهجية في الصين والإبادة الجماعية للأويغور في تركستان الشرقية يعادل عملياً المشاركة في هذه الجريمة. يحذرنا المقال من أن القضية الأساسية ليست فيما نعرفه، بل في مدى قدرتنا على إظهار الشجاعة للتحرك وفقاً للحقائق التي نعرفها. الخيار بأيدينا؛ ولكن محكمة التاريخ والضمير ستكون قاسية للغاية تجاه من أداروا ظهورهم للحقيقة.
المصدر:
Styczynski, Filip. “The World Is Facing Horrors in China—and Looking Away.” The National Interest, 14 Nisan 2026. https://nationalinterest.org/feature/the-world-is-facing-horrors-in-china-and-looking-away