معهد الدراسات الأويغورية
نشرت صحيفة "شينجيانغ اليومية"، وهي لسان حال الحكومة الصينية في تركستان الشرقية، في عددها الصادر بتاريخ 5 يونيو 2026، قراراً بعنوان "عدة تدابير لتعزيز التحسن المستقر للاقتصاد" (关于推动经济稳中向好的若干措施). ويروج هذا القرار لسياسات اقتصادية مثل تطوير الزراعة في تركستان الشرقية، وتوسيع صناعات الطاقة الجديدة والسيليكون متعدد البلورات، فضلاً عما يسمى "تخفيف حدة الفقر" ونقل الأيدي العاملة للتوظيف[1]. ورغم أن النقاط المطروحة في هذا القرار تبدو للوهلة الأولى كتدابير إيجابية تهدف إلى الازدهار الاقتصادي لمنطقة ما، إلا أنها في الجوهر ليست سوى مغالطة سياسية واهية صيغت لإخفاء الإبادة الجماعية الممنهجة، والاستيعاب العرقي القسري، والاستعمار الاستيطاني الذي تمارسه الدولة الصينية ضد الأويغور والشعوب التركية الأخرى في تركستان الشرقية[2]. إن التقارير العلمية والميدانية الصادرة منذ سنوات عن العديد من الباحثين المستقلين الدوليين، ومنظمات مثل منظمة هيومن رايتس ووتش[2]، ومنظمة العفو الدولية[3]، ومكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان[4]، تكشف بأدلة دامغة الجرائم ضد الإنسانية الكامنة وراء هذه الأنواع من سياسات "التنمية الاقتصادية" الصينية.
في هذه المقالة، سنقوم بتحليل منهجي تفصيلي للسياسات الرئيسية المطروحة في القرار المذكور، بالاعتماد على تقارير المؤسسات العلمية الدولية والباحثين المستقلين، لتسليط الضوء على الآثار الدموية لنظام ما يسمى بالتنمية والنهوض الذي تنتهجه الحكومة الصينية منذ أكثر من عقد من الزمان.
خلفية خدعة "تخفيف الفقر" ونظام العمل القسري
أكدت المواد ذات الصلة في هذا القرار الصيني على زيادة دخل المزارعين من خلال سياسات "نقل وفائض العمالة للتوظيف" و"تخفيف حدة الفقر". ورغم أن هذا يبدو كخطة مساعدة اقتصادية، إلا أن الشهادة التي قدمها الباحث المستقل أدريان زينز أمام الكونغرس الأمريكي وأبحاثه الأكاديمية أثبتت أن هذا يمثل نظام استعباد جماعي وقسري تديره الدولة[5]. ووفقاً للتقارير التي نشرها أدريان زينز مستنداً بشكل مباشر إلى وثائق سرية للحكومة الصينية، فإن هذه السياسة التي تطبقها الصين في تركستان الشرقية تعد أكبر نظام عمل قسري تنظمه دولة في العالم[5].
وفي تقرير بعنوان "في وضح النهار: العمل القسري للأويغور وسلاسل توريد الطاقة الشمسية العالمية"، الذي نشرته لورا ميرفي، باحثة سلاسل التوريد في جامعة شيفيلد هالام بالمملكة المتحدة، والباحثة نيرولا إيليما، تمت الإشارة إلى أن جوهر سياسات ما يسمى بتخفيف الفقر هو السيطرة القسرية على السكان المحليين وإجبارهم على الطاعة المطلقة[6]. وكشف الباحثون في تقريرهم أن الحكومات المحلية والشركات الصينية تعمل معاً لإدارة العمال وفق نظام عسكري، وغرس اللغة الصينية وأيديولوجيا الحزب الشيوعي قسراً، ومنع العمال تماماً من مغادرة المصانع بمحض إرادتهم[6].
وقد أنشأت الصين حالياً "نظاماً لمراقبة البطالة والإنذار المبكر"، يتم من خلاله مراقبة دخل ومقرات عمل السكان المحليين على مدار الساعة. وإذا رفض أي شخص العمل في المصانع التي تحددها الدولة، يتم اعتقاله فوراً باعتباره مشتبهاً به سياسياً[5]. لذلك، فإن "التوظيف" المذكور في القرار ليس اقتصاد سوق طوعي حر على الإطلاق، بل هو مأسسة لنظام عبودية جديد قائم على التمييز العرقي والاضطهاد من قبل الدولة الصينية.
الثمن الدموي لـ "الطاقة الخضراء": السيليكون متعدد البلورات ورأسمالية الإرهاب
شدد القرار على تسريع صناعات الطاقة الجديدة مثل التعدين الأخضر، واستخراج الفحم، وإنتاج السيليكون متعدد البلورات في تركستان الشرقية[1]. ورغم أن الصين تجمّل ذلك وتصفه بـ "التنمية الخضراء"، إلا أن جزءاً كبيراً من سوق الطاقة الشمسية العالمي يعتمد في الواقع على احتكار قائم على دماء وعرق العمل القسري للأويغور[6]. وأشار تقرير باحثي جامعة شيفيلد هالام إلى أن جزءاً كبيراً جداً من السيليكون متعدد البلورات اللازم لصناعة ألواح الطاقة الشمسية العالمية يتم إنتاجه تحديداً في تركستان الشرقية، وأن الغالبية العظمى منه ترتبط بشكل مباشر بالعمل القسري[6].
إن الشركات الشهيرة في هذا القطاع، مثل شركة "داقو للطاقة الجديدة" (Daqo New Energy)، وشركة "خيشينغ للسيليكون" (Hoshine Silicon)، وشركة "تبيان الكهربائية لشينجيانغ" (TBEA)، هي جميعاً شركات استجابت بنشاط لخطة الحكومة الصينية لـ "نقل فائض العمالة وتوظيفها"، وتلقت إعانات مالية ضخمة من الدولة[6]. وتستخدم هذه الشركات العمال الأويغور في مصانعها تحت نظام تدريب عسكري وتفرض عليهم اضطهاداً سياسياً.
ويمكن تسمية هذه الظاهرة بـ "رأسمالية الإرهاب"، كما لخصها البروفيسور دارين بايلر، عالم الأنثروبولوجيا الشهير من جامعة كولورادو الأمريكية في كتابه[7]. فبحجة مكافحة الإرهاب، تعامل الحكومة الصينية شعباً بأكمله كأفراد مجرمين، وتضع حياتهم تحت مراقبة تكنولوجية فائقة الدقة، وفي الوقت نفسه، تحول أجساد هؤلاء البشر إلى موارد رخيصة لتوليد القيمة لصالح رأسمالية الدولة[7]. إن الهدف الكامن وراء خطة "نقل الصناعات ذات التقنية العالية إلى شينجيانغ" المذكورة في هذا القرار هو بالضبط استغلال موارد العمل العبودي الرخيص والحفاظ على احتكارها في سلاسل التوريد العالمية[1، 5، 7].
تحسين الهيكل السكاني: طمس الهوية الوطنية والإبادة الديموغرافية
وعدت العديد من المواد في القرار بـ "رفع مستوى معيشة" السكان المحليين. ومع ذلك، كشفت الوثائق السرية الصينية أن وراء ذلك تكمن خطة خطيرة لـ "تحسين الهيكل السكاني" (Population Optimization)[8]. ووفقاً لأبحاث أدريان زينز، فإن السياسة السكانية للحكومة الصينية في جنوب تركستان الشرقية تهدف بالتحديد إلى تغيير الوضع الذي يشكل فيه الأويغور الأغلبية المطلقة، وزيادة نسبة المهاجرين الصينيين (الهان) صناعياً، وفرض قيود صارمة على المواليد الأويغور[8].
ونتيجة لسياسات تحديد النسل القسرية والرقابة الاجتماعية المفروضة على النساء الأويغوريات خلال هذه العملية، انخفضت معدلات النمو السكاني للأويغور بشكل هائل[8]. وأظهر تقرير واسع النطاق أعده مركز ييل للشؤون العالمية والمحامية الحقوقية ريحان أسات، أن حملة العقاب الممنهجة التي تشنها الصين ضد الأويغور اتخذت طابع تدمير أمة بأكملها، حيث أثبتت البيانات أن إجمالي الأحكام بالسجن المفروضة على جزء فقط من المعتقلين يبلغ وحده "4.4 مليون سنة"[9]. وهذا يعني أن المشاريع الاقتصادية المروج لها في القرار الصيني ليست من أجل تنمية الأويغور المحليين، بل هي نظام اقتصادي استعماري أنشئ لصالح المهاجرين الصينيين.
التعليم الاستيعابي وحملة المحو الثقافي
ذكر القرار سياسات لدعم التعليم وتوظيف خريجي الجامعات[1]. وفي الواقع، تحول النظام التعليمي في تركستان الشرقية بالفعل إلى أخطر قواعد الاستيعاب القسري، وأداة للصهر والصيننة تهدف إلى فصل الشباب الأويغور عن هويتهم وعائلاتهم[10]. ووفقاً لأبحاث الباحث تيموثي غروس، فإن الحكومة الصينية تقوم منذ سنوات عديدة، عبر ما يسمى بـ "فصول شينجيانغ" والمدارس الداخلية، بفصل عشرات الآلاف من الشباب الأويغور والسكان المحليين الآخرين عن عائلاتهم وإخضاعهم لتعليم يفرض عليهم الثقافة الصينية قسراً[10].
وفي الوقت نفسه، أشار تقرير الباحث ريان ثوم إلى أنه بعد عمليات الاعتقال الجماعي، قامت الحكومة بمصادرة مئات الآلاف من الأطفال الأويغور الذين أُرسل آباؤهم إلى المعتقلات والسجون قسراً، ووضعتهم في مدارس داخلية مغلقة تديرها الدولة[11].
وبالإضافة إلى التعليم، تم تدمير الفضاءات الدينية والثقافية للأويغور في المجتمع. وكشفت الأبحاث الميدانية وعبر الأقمار الصناعية التي أجرتها الدكتورة جوان سميث فينلي، الباحثة في جامعة نيوكاسل، وراشيل هاريس، الباحثة في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بلندن، أن جزءاً كبيراً من المساجد والمزارع القديمة في تركستان الشرقية قد هُدم أو خُرّب، وتم تجريم الأنشطة الدينية والثقافية اليومية بشكل ممنهج[12]. إن سياسات التعليم والتوظيف المزعومة في المقالة ليست سوى جزء من جريمة الاستيعاب العرقي هذه.
النظام الاقتصادي الدولي وجريمة "غسيل التدقيق"
أكد القرار أيضاً بشكل خاص على تطوير التجارة الخارجية والتعاون التجاري العابر للحدود[1]. ومع ذلك، فإن العمل القسري والاضطهاد في تركستان الشرقية قد وصلا إلى مستوى لا يمكن التوفيق بينه وبين قوانين التجارة الدولية، واستمرار الشركات الأجنبية في التجارة في هذه المنطقة يفرض عليها مسؤوليات أخلاقية وقانونية جسيمة في الأسواق الدولية[5].
ولتحقيق الأرباح في السوق الصينية، حاولت بعض الشركات متعددة الجنسيات تبرئة نفسها عبر إجراء ما يسمى بـ "التدقيق المستقل" لإثبات عدم صلتها بالعمل القسري في تركستان الشرقية[5]. وكما أشار أدريان زينز في شهادته أمام الكونغرس الأمريكي، فإن شركات ألمانية شهيرة مثل شركة السيارات "فولكس فاجن" وشركة الكيماويات "باسف" (BASF) قد انخرطت في ممارسات "غسيل التدقيق" (audit-washing) هذه، في حين أنه من المستحيل تماماً إجراء أي تحقيق حقيقي ومستقل في ظل بيئة المراقبة الاستبدادية القائمة في تركستان الشرقية[13]. إن التجارة مع الصين في تركستان الشرقية تحت قناع "المنفعة المتبادلة" المذكور في القرار الصيني هي في الواقع تواطؤ في الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
خاتمة
ختاماً، فإن هذه المقالة الصينية ليست سوى أداة دعاية سياسية صممت لإخفاء أزمة حقوق الإنسان في تركستان الشرقية عن المجتمع الدولي[1]. ونرى أن جميع سياسات تخفيف الفقر، والنهوض الصناعي، والتعليم المزعومة الواردة فيها، تُستخدم بالإجماع كأدوات لفصل الأويغور عن أراضيهم، وإخضاعهم للإبادة الجماعية والعمل القسري[1، 9، 12].
لا يمكن ذر الرماد في عيون المجتمع الدولي بغطاء الازدهار الاقتصادي. إن رأسمالية الإرهاب ليست تنمية خضراء، بل هي وصمة عار كبرى في جبين الكرامة الإنسانية[7]. يجب على المجتمع الدولي والشركات ألا ينخدعوا بهذا النوع من التضليل، وأن يحاسبوا الصين على جرائم إرهاب الدولة والإبادة الجماعية التي ترتكبها.
المراجع:
1 Unknown, "关于推动经济稳中向好的若干措施" (Several Measures to Promote the Steady and Positive Improvement of the Economy), Xinjiang Daily, June 5, 2026.
2 Human Rights Watch, "China: Crimes Against Humanity in Xinjiang", Human Rights Watch, April 19, 2021.
3 Amnesty International, "Report: China's mass internment, torture, and persecution of Muslims", Amnesty International, February 7, 2020.
4 Wikipedia Contributors, "UN Human Rights Office report on Xinjiang", Wikipedia, October 8, 2025.
5 Adrian Zenz, "State-Imposed Forced Labor in the Xinjiang Uyghur Autonomous Region: Current State, Latest Evidence, Impossibility of Credible Social Audits, and Ongoing Western Complicity and Audit-Washing", Congressional-Executive Commission on China (CECC), April 30, 2024.
6 Laura T. Murphy and Nyrola Elimä, "In Broad Daylight: Uyghur Forced Labour and Global Solar Supply Chains", Helena Kennedy Centre for International Justice at Sheffield Hallam University, May 2021.
7 Darren Byler, "Terror Capitalism: Uyghur Dispossession and Masculinity in a Chinese City", PoLAR: Political and Legal Anthropology Review, January 27, 2023.
8 Adrian Zenz, "The Chinese Communist Party (CCP)'s Policies in Xinjiang: Overall Strategy, Central Government Involvement, and Evidence for a Systematic Attack on a Civilian Population as well as Genocide", United States House Select Committee on the CCP, March 22, 2023.
9 Rayhan Asat and Min Kim, "UYGHUR RACE AS THE ENEMY: China’s Legalized Authoritarian Oppression & Mass Imprisonment", Yale MacMillan Center, 2024.
10 Timothy Grose, "Negotiating Inseparability in China: The Xinjiang Class and the Dynamics of Uyghur Identity", The Journal of Asian Studies / Cambridge Core, October 5, 2020.
11 Rian Thum, "Eight Years On, China's Repression of the Uyghurs Remains Dire", United States Holocaust Memorial Museum, February 2025.
12 David Tobin, Laura Murphy, Rian Thum, Rachel Harris, and Jo Smith Finley, "State Violence in Xinjiang: A Comprehensive Assessment", Helena Kennedy Centre for International Justice at Sheffield Hallam University, June 2021.
13 Adrian Zenz, "State-Imposed Forced Labor in the Xinjiang Uyghur Autonomous Region: Current State, Latest Evidence, Impossibility of Credible Social Audits, and Ongoing Western Complicity and Audit-Washing", Congressional-Executive Commission on China (CECC), April 30, 2024.