نموذج بكين لمراقبة الأويغور يُصَدَّر إلى أفغانستان

بقلم: توماسو فرانكو / ترجمة: تركستان تايمز

تُعد منطقة شينجيانغ (تركستان الشرقية)، وهي أكبر أقاليم الصين والوحيدة التي تضم أغلبية سكانية مسلمة، مفترق طرق تاريخياً لطريق الحرير القديم. تقع المنطقة في الشمال الغربي من البلاد، وتشترك في حدودها مع ثماني دول هي: الهند، وباكستان، وأفغانستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان، وكازاخستان، وروسيا، ومنغوليا. وبفضل موقعها الجغرافي، أصبحت منطقة محورية لـ "مبادرة الحزام والطريق" (BRI)، وهو المشروع الضخم للبنية التحتية الذي تسعى بكين من خلاله للربط برياً بين أوروبا والشرق الأوسط. ولكن لكي يزدهر الاقتصاد، قرر الحزب الشيوعي الصيني ألا يكون هناك مجال للمعارضة في شينجيانغ، ولا لهوية تختلف عن تلك التي تقرها الدولة.

وعلى الرغم من أن شينجيانغ تتمتع بـ "حكم ذاتي" نظرياً، إلا أنها تحولت إلى كابوس "أورويلي" يخضع لقيود صارمة من الحكومة المركزية. هذه المنطقة، التي تعادل مساحتها نصف مساحة أوروبا، تحولت إلى نظام معقد للرقابة الاجتماعية والقمع الثقافي. وتحت أنظار الملايين من كاميرات المراقبة، يجري محو شعب بأكمله — وهم الأويغور — ببطء ومنهجية. لا يتم ذلك عبر غرف الغاز كما حدث في القرن الماضي، بل من خلال المراقبة المكثفة، والتعقيم القسري، وتشتيت العائلات.

وتحت ذريعة مكافحة الإرهاب، ينتهج الحزب الشيوعي الصيني سياسة "الصيننة"، وهي استراتيجية ممنهجة لاستيعاب السكان الأويغور قسرياً. وما كان يُعرف يوماً بإقليم حدودي بعيد، أصبح اليوم أكثر المناطق عسكرة في الصين: سجن حقيقي في الهواء الطلق. وقد اعترفت ميشيل باشيليت، مفوضة الأمم المتحدة السامية السابقة لحقوق الإنسان، بوقوع "انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان" في شينجيانغ قد ترقى إلى مستوى "جرائم ضد الإنسانية". ومنذ عام 2005، دقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ناقوس الخطر، مؤكدة أن القمع المنهجي للأويغور في شينجيانغ يمثل استراتيجية سياسية متعمدة تخدم مصالح الدولة الصينية في نهاية المطاف.

والأهم من ذلك، أن ما يحدث في معسكرات "إعادة التأهيل" في شينجيانغ يمتد إلى ما وراء حدود الصين ويمس المجتمع الدولي؛ فالصين تثبت للعالم أن الهوية الثقافية والدينية يمكن إعادة كتابتها أو محوها باسم استقرار الدولة والتنمية الاقتصادية. وإذا ساد نظام "سور الصين الحديدي" دون مواجهة مقاومة عالمية متماسكة، فإن الخطر يكمن في أن يصبح نموذج شينجيانغ "منتجاً للتصدير": عالم لا تعمل فيه التكنولوجيا لتحرير البشرية، بل لإتقان سجنها.

التلاعب الديموغرافي وقطع الجذور الأويغورية

تعد شينجيانغ اليوم موطناً لنحو 12 مليوناً من الأويغور، الذين يطلقون عليها اسم "تركستان الشرقية". وفي حين يتحدث أبناء قومية "الهان" اللغة الصينية بشكل أساسي، فإن شعوب الأويغور والكازاخ والقيرغيز تنتمي عرقياً إلى الشعوب التركية، وتعتنق الإسلام في غالبيتها ولديها لغاتها الخاصة. وتعكس الثقافة الأويغورية تقارباً وثيقاً مع دول آسيا الوسطى، حيث تعود جذورهم إلى انهيار إمبراطورية "قره بالغاسون" القديمة (التي كانت تقع في منغوليا الحالية) عام 840 ميلادية، تبعتها قرون من النضال من أجل الاستقلال.

في عام 1759، غزت سلالة "تشينغ" المانشوية تركستان الشرقية، وبين عامي 1750 و1863، تمرد السكان الخاضعون للسيطرة العسكرية 42 مرة. وفي عام 1863، تمكن يعقوب بيك، أمير مملكة كاشغر، من تحرير تركستان الشرقية وإقامة دولة مستقلة ودخل في محادثات دبلوماسية. ومع ذلك، قامت سلالة تشينغ بضم تركستان الشرقية رسمياً في عام 1884، وأطلقت عليها اسم "شينجيانغ" (والتي تعني الحدود الجديدة). وبعد سقوط سلالة تشينغ عام 1911، استمر حكم المنطقة من قبل قادة عسكريين محليين مختلفين.

بدأت القومية تنتشر في شينجيانغ في عشرينيات القرن الماضي. وفي 12 نوفمبر 1933، أعلنت شعوب المنطقة الاستقلال تحت اسم "جمهورية تركستان الشرقية". لم تدم الجمهورية سوى أقل من عام، حيث تمت الإطاحة بها في 16 أبريل 1934 عقب غزو قامت به قوات "الكومينتانغ" (الحزب الحاكم في الصين من 1928 إلى 1949). وفي 12 نوفمبر 1944، أعلنت جمهورية تركستان الشرقية استقلالها مرة أخرى، ولكنها كانت قصيرة العمر أيضاً؛ ففي عام 1949، لقي القياديون الأساسيون للجمهورية حتفهم في حادث تحطم طائرة غامض، وتم غزو الجمهورية من قبل "جيش التحرير الشعبي". ومع وصول هذا الجيش، بدأت بكين بفرض غطاء من السيطرة لم يُرفع أبداً منذ ذلك الحين.

وعلى الرغم من منح "الحكم الذاتي" لشينجيانغ (التي تسمى رسمياً منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم) في عام 1955، إلا أن وعود الحزب الشيوعي الصيني بتقرير المصير اصطدمت بسياسات الحكومة الاستيعابية. كان الجزء الأول من السياسة التي استهدفت شينجيانغ ديموغرافياً وليس أيديولوجياً؛ فحتى الخمسينيات، كان الأويغور يمثلون نحو 90% من سكان المنطقة، أما اليوم فقد انخفضت نسبتهم إلى 45%، ليصبحوا عملياً غرباء في وطنهم. لم يكن هذا تطوراً طبيعياً، بل عملية جراحية في "الهندسة الاجتماعية".

وعقب سقوط القيادة الأويغورية، أُجبر مئات الآلاف على المنفى، خاصة نحو تركيا، وفر ما بين 60 ألفاً إلى 100 ألف من الأويغور والكازاخ من البلاد. ومن خلال النظام شبه العسكري لـ "سلك الإنتاج والإنشاء في شينجيانغ" (المعروف باسم "بينغتوان")، وهي منظمة تدير المزارع والمصانع والمناجم، خططت الدولة لهجرة جماعية لقومية "الهان" (الأغلبية العرقية في الصين). وقدمت الحكومة حوافز اقتصادية ومساكن وفرصاً وظيفية للمستوطنين الهان لتمييع الهوية المحلية، مما أدى إلى تحويل المسلمين الناطقين باللغات التركية إلى طبقة اقتصادية دنيا، مستبعدين من الوظائف المرموقة ومعرضين للعمل القسري والتمييز في الأجور، ولا تزال العديد من القطاعات الوظيفية تعلن عن وظائف "للهان فقط".

وفي فبراير 1997، وصلت التوترات إلى ذروتها في سلسلة من الاحتجاجات السلمية في البداية قادها المسلمون في مدينة "غولجا"، ولكن تم قمع هذه التظاهرات بعنف من قبل مكتب الأمن العام ووحدات الشرطة المسلحة الشعبية، مما أدى إلى اعتقالات تعسفية، وعمليات قتل خارج نطاق القضاء، ومحاكمات غير عادلة وأحكام بالإعدام.

ومع ذلك، كانت أحداث "أورومتشي" في يوليو 2009 هي نقطة الانهيار النهائية. ما بدأ كاحتجاج سلمي لطلاب أويغور يطالبون بالتحقيق في مقتل عاملين أويغوريين في مصنع، تحول إلى عنف مفرط بين الهان والأويغور. ووفقاً لتقارير الحزب الشيوعي، قُتل نحو 200 شخص، معظمهم من الهان، بينما لا تزال أعداد القتلى والمختفين من الأويغور غير واضحة. وكان القمع الذي أعقب ذلك بمثابة "الطلاق النهائي" بين الحزب والأقلية. وزعمت سلطات بكين أن "مؤتمر الأويغور العالمي" ورئيسته آنذاك ربيعة قدير كانوا المحركين الخفيين للاضطرابات، واتهمتهم بالتخطيط لأعمال الشغب من المنفى.

ومنذ تلك اللحظة، اختارت بكين سياسة "التحييد". وتحت ذريعة "الحرب العالمية على الإرهاب"، صنفت الصين كل تعبير عن الثقافة الأويغورية أو المقاومة بأنه مظهر من مظاهر الانفصال والإرهاب والتطرف. وتثير مجموعة "الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية" (ETIM) قلقاً خاصاً لدى الصين. وفي عام 2002، صنفت الولايات المتحدة هذه الحركة كمنظمة إرهابية دولية، ورغم وجود نقص في الإجماع والمعلومات حولها، إلا أن الحزب الشيوعي الصيني لجأ إلى استراتيجية مراقبة متطرفة في جميع أنحاء شينجيانغ بذريعة الحرب على الإرهاب.

عقوبات جذرية وكابوسية للسيطرة على الأويغور

إن استراتيجية "الصيننة" الجذرية التي ينتهجها الحزب الشيوعي هي تلاعب بيولوجي واجتماعي؛ فبين عامي 2015 و2018، تسبب التعقيم القسري والتركيب الإلزامي لوسائل منع الحمل داخل الرحم في انخفاض معدل المواليد لدى الأويغور بنسبة تزيد عن 60%. وتم تدمير ما يقرب من 16 ألف مسجد وتغيير أسماء 630 قرية بين عامي 2009 و2023 لمحو أي أثر تاريخي للأويغور. كما تم فصل العديد من الأطفال عن عائلاتهم ونقلهم إلى مدارس داخلية تديرها الدولة حيث تُحظر اللغة الأويغورية.

وتُصنف الأفعال اليومية — مثل إرسال رسائل تحتوي على آيات قرآنية، أو صيام رمضان، أو الامتناع عن الكحول، أو إطلاق اللحية، أو ارتداء الحجاب — على أنها "علامات تطرف" تستوجب الاحتجاز والتدجين القسري. واستثمر الحزب الشيوعي ملايين الدولارات لبناء 1200 "مركز للتعليم والتدريب المهني" (VETCs)، حيث اختفى منذ عام 2017 أكثر من مليون مسلم — بمن فيهم الأويغور والكازاخ والأوزبك والقيرغيز.

وقد أظهر تحليل الوثائق الحكومية الصينية المسربة، مثل "برقيات الصين" (China Cables) و"أوراق شينجيانغ" (Xinjiang Papers)، أن هذه المراكز هي سجون شديدة الحراسة تتبع انضباطاً حديدياً وعقوبات صارمة. وكشفت "أوراق شينجيانغ" أنه بين عامي 2017 و2018، تم احتجاز أكثر من 12% من السكان البالغين في مقاطعة واحدة داخل معسكر أو سجن. واستخدم معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي (ASPI) بيانات الأقمار الصناعية للكشف عن وجود أكثر من 385 منشأة احتجاز، ومع ذلك، فإن الحصول على إحصاءات دقيقة يظل مستحيلاً تقريباً.

شهادات الناجين مروعة؛ حيث يتعرض المعتقلون لغسيل أدمغة سياسي قسري وممارسات تعذيب مثل الحرمان من النوم والحبس الانفرادي. وهناك أيضاً تقارير عن إعطاء المعتقلين حبوباً أو حقناً مجهولة تسببت في آثار سلبية على الخصوبة أو الحالة النفسية. وتتلقى الحراسات المسلحة أوامر باتباع سياسة "إطلاق النار بقصد القتل" لأي شخص يحاول الهروب. ورغم اختلاف التقنيات، يظل المنطق هو نفسه الذي اتبعته ألمانيا النازية: تجريد الأقلية من إنسانيتها، وعزلها، وتحييدها لضمان نقاء واستقرار الجسد الاجتماعي المهيمن.

المراقبة الشاملة كركيزة للنظام

جوهر نظام شينجيانغ هو "الإدارة الاجتماعية بنظام الشبكات". يعتمد هذا الجهاز الضخم للسيطرة على نظام مراقبة رقمي متطور وشرطة تنبؤية. ومن خلال قاعدة بيانات ضخمة تسمى "المنصة المتكاملة للعمليات المشتركة" (IJOP)، تستخدم الدولة الذكاء الاصطناعي لربط البيانات الشخصية مثل الرسائل الخاصة وعادات الإنفاق لإنشاء قوائم بالأشخاص "المشتبه بهم". وتم تقسيم المدن إلى مربعات أمنية، تخضع كل منها لمراقبة شبكة واسعة من تقنيات التعرف على الوجوه ومراكز الشرطة. وتتعقب البيانات الضخمة والكاميرات الذكية وقواعد البيانات البيومترية كل نفس في الحياة اليومية.

وكشفت "أوراق شينجيانغ" أيضاً أن "تشن تشوان غو"، وهو عسكري تحول إلى سياسي، كان العقل المدبر لهذا النظام الأمني المكثف. وقد طور أسلوبه خلال فترة عمله كسكرتير للحزب في "منطقة التبت ذاتية الحكم" (TAR) من 2011 إلى 2016، محولاً تلك المنطقة إلى مختبر للمراقبة المتطرفة، وهي التكتيكات التي وُصفت بـ "استراتيجية التمشيط الأمني".

إن نجاحه في التبت نال الثقة الكاملة لقيادة بكين، فأصبح سكرتير الحزب في شينجيانغ عام 2016، حيث تم تصدير نموذجه القاسي بسرعة لتحييد كل أشكال المعارضة. ورغم تقاعد "تشن" في عام 2021، إلا أن نظامه ترك جرحاً غائراً في شينجيانغ، حيث تجاوز الحشد الأمني هناك ما حدث في التبت؛ ففي شينجيانغ يوجد نحو 323 مركز شرطة لكل 100 ألف نسمة، مقارنة بـ 216 مركزاً في التبت.

دمجت هذه الاستراتيجية بين الرقابة الاجتماعية وخلق فرص عمل ضخمة تقودها الدولة. وروج "تشن" لحملات توظيف جماعية في الشرطة، مطبقاً تكتيكاً استعمارياً: تجنيد السكان المحليين لمراقبة أبناء جلدتهم. وتم استيعاب الآلاف من الأويغور والتبتيين في قطاع أمن عام يتوسع باستمرار. وفي حين يختنق الاقتصاد الخاص تحت وطأة الرقابة، أصبح راتب الدولة هو الوسيلة الوحيدة للبقاء. وتحول التبعية الاقتصادية المتمردين المحتملين إلى تروس في النظام، مما يضمن لبكين ولاءً قسرياً واستقراراً تم شراؤه بثمن باهظ — وهو الثمن الذي أدانته جهات عديدة ووصفته بالإبادة الجماعية.

عيون العالم تتجه نحو انتهاكات الحزب الشيوعي الصيني

في عام 2021، أصدرت "محكمة الأويغور" في لندن حكماً بشأن الوضع هز المشهد الدولي. ورغم أنها هيئة مستقلة وغير قضائية بالمعنى الضيق، إلا أن تحليل المحكمة خلص "بما لا يدع مجالاً للشك" إلى أن جمهورية الصين الشعبية ترتكب إبادة جماعية ضد الأقلية الأويغورية. وأدان هذا الحكم نية الحزب الشيوعي المنهجية لتدمير جماعة عرقية ودينية، كلياً أو جزئياً. ومع ذلك، وحتى في مواجهة هذه الأدلة، يبدو المجتمع الدولي اليوم منقسماً بشكل حاد بين الدفاع عن القيم العالمية والبراغماتية الاقتصادية.

من جهة، تبنت كتلة بقيادة الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وهولندا رسمياً مصطلح "الإبادة الجماعية" لوصف سياسات بكين. وفي يومه الأخير في منصبه خلال إدارة ترامب الأولى، أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن أفعال الصين تشكل "جرائم ضد الإنسانية"، وهو موقف وافق عليه أنتوني بلينكن عند اختياره للمنصب من قبل الرئيس جو بايدن. ويدعم هذا الموقف تقارير دقيقة من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.

وعلى الجبهة الاقتصادية، ضرب الرد الغربي قلب المصالح التجارية؛ فشينجيانغ تنتج أكثر من 20% من قطن العالم. وقدمت التحقيقات أدلة قوية على أن أكثر من نصف مليون من الأويغور وغيرهم من الأقليات يجبرون على قطف القطن، كما بُنيت مصانع جديدة داخل معسكرات إعادة التأهيل. وعندما أعربت شركات تجزئة غربية كبرى مثل "H&M" أو "Nike" أو "Burberry" عن قلقها بشأن العمل القسري، قامت الصين بمحو العديد من هذه العلامات التجارية من الشبكة العنكبوتية الصينية؛ فاختفت المتاجر من الخرائط الرقمية ومن منصات التجارة الإلكترونية، وقاطعها المشاهير الصنيون، بل ورفضت سيارات الأجرة نقل المستهلكين إلى المتاجر الفعلية. إنه "ابتزاز السوق": إما قبول قطننا (والدماء التي يحملها) أو خسارة ملايين المستهلكين.

وتفرض تشريعات مثل "قانون منع العمل القسري للأويغور" (UFLPA) في الولايات المتحدة الآن حظراً شبه كامل على البضائع القادمة من شينجيانغ، بافتراض أن أي منتج يُستخرج أو يُصنع في تلك المنطقة هو نتاج عمل قسري. كما أدخل الاتحاد الأوروبي قيوداً مماثلة تضع خطاً فاصلاً واضحاً في التجارة العالمية، مما يجعل الوصول إلى السوق الموحدة مشروطاً باحترام حقوق الإنسان الأساسية.

بيد أن هذه الوحدة الغربية تصطدم بصمت العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة؛ فدول مثل باكستان والمملكة العربية السعودية، رغم روابطها الثقافية والدينية مع الأويغور، تظل مقيدة بالديون الثقيلة واتفاقيات البنية التحتية الوثيقة مع الصين، واتخذت موقف "الحياد الاستراتيجي". بالنسبة لهذه الحكومات، تم تخفيض القضية رسمياً إلى "شأن داخلي" صيني. والتبعية الاقتصادية لـ "طريق الحرير الجديد" يمكنها، في كثير من الحالات، إسكات التضامن الديني والتفويضات الأخلاقية للدبلوماسية الدولية. ومن خلال الزعم بأن الأويغور يشنون معركة خطيرة من أجل الاستقلال، تؤكد بكين أن إجراءات مكافحة الإرهاب هي شرط مسبق للسلام والازدهار في المنطقة. لقد أصبحت الأقلية الأويغورية معزولة عن إخوانهم المسلمين بداعي الضرورة الاقتصادية، ومضطهدة في وطنهم بسبب الطموح الأيديولوجي.

نموذج الحزب الشيوعي السلطوي يغير المسرح الدولي

أحد الأمثلة على كيفية عزل بكين للأويغور هو علاقة الصين بأفغانستان. فبعد انسحاب القوات الأمريكية وسقوط كابل عام 2021، اتخذت الصين منعطفاً استباقياً في سياستها تجاه أفغانستان، حيث تتحرك لملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلفته واشنطن. بالنسبة للصين، تعد أفغانستان قطعة أساسية في استقرار حدود شينجيانغ وتأمين ممرات تجارة "مبادرة الحزام والطريق". وقد نسجت الصين بالفعل شبكة دبلوماسية كثيفة مع طالبان، ويتجلى ذلك في أكثر من 140 اجتماعاً دبلوماسياً والترحيب بالسفير الصيني "جاو شنغ" في كابل.

المقايضة واضحة: استثمارات في النفط والمجالات الإنسانية والتكنولوجية مقابل الأمن والصمت. ألغت الصين التعريفات الجمركية على السلع الأفغانية، ووقعت عقداً نفطياً بقيمة 540 مليون دولار، وتعهدت بتقديم 13 مليون دولار كمساعدات إنسانية. وهذا الدعم هو ثمن ضمانة حيوية: أكدت طالبان أن الأراضي الأفغانية لن تعمل أبداً كقاعدة لمقاتلي الأويغور في "الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية". وهي لعبة تتقنها بكين جيداً، حيث نسجت خيوطاً مماثلة مع الملا عمر في عام 2000.

اليوم، تتطور تلك السابقة التاريخية إلى تحالف رقمي حيث تعمل الكاميرات الصينية على إغلاق الحدود لمنع أي تسلل إرهابي وتجاهل حقوق الإنسان. وبحسب ما ورد، أجرت شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة "هواوي" وطالبان مناقشات حول تزويد أفغانستان بأنظمة مراقبة متقدمة. وبينما تدعي طالبان أن الشبكة ستُستخدم لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية"، هناك مخاوف من أن تستخدم الصين المراقبة لتتبع الأويغور في أفغانستان. وبالفعل، قامت طالبان بنقل مقاتلي الأويغور بعيداً عن الحدود المشتركة مع الصين، وزادت من الرقابة على الأويغور الذين يعيشون في أفغانستان.

إن طالبان، بينما تقدم نفسها كحامية للعقيدة، ضحت بانتهازية بالقضية الأويغورية مقابل "الأكسجين الاقتصادي" والشرعية الدولية. ويسمح هذا التعاون لكلا النظامين بالمضي قدماً في القمع الداخلي دون تدخل. تقدم بكين لكابل طوق نجاة حاسماً لتخفيف عقوبات الأمم المتحدة، بينما تمنح طالبان الصين وصولاً متميزاً إلى الموارد المعدنية الهائلة وغير المستكشفة في أفغانستان.

ومع ذلك، يبدو الاتفاق مع نظام طالبان رهاناً محفوفاً بالخاطر؛ فتهديد جماعة "تحريك طالبان باكستان" يظل متغيراً لا يمكن التنبؤ به ولا تستطيع بكين السيطرة عليه، كما يتضح من الهجوم الانتحاري عام 2021 الذي قتل تسعة عمال صينيين في باكستان. ورغم شبكة المراقبة الكثيفة وتأكيدات كابل، فإن عدم الاستقرار المزمن في المنطقة يهدد بتحويل هذه الاستثمارات المليارية إلى "بوميرانغ" استراتيجي يرتد على صاحبه.

إن استخدام خطاب الأمن لتبرير تدمير الهوية يخلق جسراً مقلقاً بين استراتيجيات بكين والصفحات المظلمة الأخرى من التاريخ والأحداث الأخيرة. لقد جُعلت شينجيانغ نموذجاً للاستبداد الرقمي، والآن يتم تصدير هذا النموذج. إن الصين تتحدى أسس التعايش الدولي، والحجم الهائل للعملية القمعية في شينجيانغ يستبعد احتمال أن يكون هذا مجرد حالة معزولة من الانتهاكات. لقد أُعطيت الأولوية للاستقرار المطلق على الحقوق الأساسية، ومثل هذه الاستراتيجية لن تتوقف عند حدود الصين.

المصدر:

https://www.fairobserver.com/world-news/middle-east-news/beijings-uyghur-surveillance-model-is-being-exported-to-afghanistan/