اتفاقية مكة للدفاع المشترك: التوازن الاستراتيجي وبنية الأمن الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط

تحليل سياسي واستراتيجي متعدد الأبعاد لمستقبل التحالف الدفاعي الثلاثي بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان

معهد الدراسات الأويغورية

مقدمة وإطار عام

في السابع من أغسطس عام 2026، احتضن قصر الصفا في مكة المكرمة حدثاً تاريخياً تجسد في توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف [1, 2, 3]. جاء هذا الاتفاق الإستراتيجي في غمرة تصعيد عسكري غير مسبوق في الشرق الأوسط، تمثل في اندلاع مواجهة مباشرة بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران، مما أسفر عن تهديدات بالغة للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، بالتزامن مع ضربات حوثية مكثفة استهدفت منشآت النفط السعودية [2, 4, 5, 6]. وقد أثار الإعلان عن هذه المعاهدة اهتماماً دولياً واسعاً بوصفها إعادة ترتيب راديكالية لمعادلات القوة في المنطقة [4, 6, 7].

على الرغم من مسارعة العديد من وسائل الإعلام والمحللين إلى توصيف هذا التحالف بأنه ولادة لـ "ناتو إسلامي" أو "محور أمني سني"، فإن القراءة الاستراتيجية المتأنية تفرض تجنب هذه التوصيفات التبسيطية [4, 8, 9]. وبدلاً من النظر إلى اتفاقية مكة كحلف عسكري مكتمل الأركان بآليات رد تلقائي مباشر، ينبغي تحليلها كآلية ردع جماعي ناشئة تسعى لدمج القدرات الحيوية لثلاث دول محورية في العالم الإسلامي، وذلك في ظل تراجع الثقة الإقليمية في المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية [4, 8, 10, 11]. وتوفر هذه الاتفاقية للدول الأعضاء ما يمكن تسميته بـ "المرونة الاستراتيجية المتعددة" لضمان الأمن القومي عند اهتزاز أي مسار دفاعي أحادي [4, 8, 10].

تستند ركائز هذه المبادرة إلى دمج القدرات المكملة للدول الثلاث: المتمثلة في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والقاعدة الصناعية الدفاعية المتطورة لتركيا، والقدرات المالية والجغرافية والبحرية الهائلة للمملكة العربية السعودية، والعمق العسكري البشري وخبرة الردع الصاروخي والنووي لباكستان [9, 10, 12, 13]. تسعى هذه الدول من خلال الاتفاقية إلى تعزيز سيادتها الإقليمية وتقليل الاعتماد المطلق على القوى الغربية في إدارة الأزمات الأمنية الحيوية [4, 10, 12]. غير أن قدرة هذا التجمع على التحول إلى منظومة دفاعية فاعلة تواجه عقبات بنيوية وتحديات عملية ترتبط باختلاف تقديرات التهديد بين العواصم الثلاث، وهو ما تظهره الفجوة الزمنية بين التوقيع والرد العملي الفوري على التحديات الراهنة [8, 14]. 

1. الخلفية التاريخية والأسس القانونية للاتفاقية

ترتبط جذور اتفاقية مكة للدفاع المشترك بسلسلة من التطورات الإقليمية المتسارعة التي أعقبت الضربة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة للأهداف الإستراتيجية الإيرانية في فبراير 2026 [2, 4]. في أعقاب هذه الضربة، شنت الجماعات الموالية لطهران في اليمن والعراق هجمات منسقة بالطائرات المسيّرة والصواريخ البالستية على دول الخليج، مما هدد بشكل مباشر ممرات شحن الطاقة العالمية وأمن الموانئ في البحر الأحمر والخليج العربي [2, 4, 5, 6]. وأجبرت هذه التهديدات الجوية المتواصلة الرياض على تسريع وتيرة تنويع شراكاتها الأمنية والبحث عن ركائز ردع إضافية خارج المظلة الأمريكية التقليدية [2, 4, 11].

ولم تكن بنية الاتفاقية وليدة اللحظة، بل استندت قانونياً وتاريخياً إلى "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل" (SMDA) الموقعة بين السعودية وباكستان في قصر اليمامة بالرياض في 17 سبتمبر 2025 [2, 11]. وضعت تلك الاتفاقية الثنائية إطاراً رسمياً لعقود من التعاون العسكري الوثيق وإرسال القوات الباكستانية لحماية الأراضي السعودية، ونصت صراحة على الالتزام بالدفاع المشترك في حال تعرض أي من البلدين لعدوان خارجي [2, 11]. وتعد اتفاقية مكة لعام 2026 امتداداً جيو-استراتيجياً وتوسيعاً لهذه البنية الثنائية عبر دمج الدولة التركية كشريك ثالث بكامل ثقله الصناعي والتكنولوجي [2, 3, 8, 11].

ووفقاً للمعلومات الرسمية المعلنة من الدوائر الدبلوماسية للدول الموقعة، ترتكز الاتفاقية على مبدأ "الاعتداء على أي عضو يعد اعتداءً على الجميع" [1, 2, 18]. وتنص البنود الأساسية المتاحة على أن أي هجوم مسلح أو تهديد لسيادة أي من الدول الثلاث يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي للدولتين الأخريين، مما يستوجب تفعيل آليات التشاور الفوري واتخاذ الإجراءات الضرورية لصد العدوان واستعادة الاستقرار [1, 10, 18, 19]. كما تفرض الاتفاقية التزامات واضحة بتقديم الدعم اللوجستي والعسكري والمشاركة الاستخباراتية النشطة لمواجهة التهديدات المشتركة [1, 2, 18, 20].

وتتضمن الاتفاقية بنداً حيوياً مخصصاً لتوثيق وتوطين الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا العسكرية بين العواصم الثلاث [12, 13, 21]. ويهدف هذا البند إلى تحقيق التشغيل البيني للأنظمة الدفاعية وتطوير مشاريع تسليح مشتركة قادرة على تلبية الاحتياجات النوعية للقوات المسلحة لكل دولة دون قيود سحب تراخيص الاستخدام الغربية [12, 13, 21]. وتصيغ هذه المادة التزاماً قانونياً يمتد إلى ما بعد فترات الأزمات ليشمل التأسيس الهيكلي لمنظومة إنتاج عسكري متكاملة ومستقلة [8, 12, 21].

من جانب آخر، أكدت التصريحات الرسمية الصادرة عن الخارجية الباكستانية أن الاتفاقية تحمل طابعاً دفاعياً محضاً ولا تهدف إلى معاداة أي طرف ثالث أو تشكيل كتلة هجومية، بل تفتح أبوابها لانضمام "الدول الصديقة والشريكة" الراغبة في الإسهام في ترسيخ السلام والاستقرار الإقليمي [1, 21, 22]. ويهدف هذا الخطاب الدبلوماسي إلى تقليل الهواجس الدولية والإقليمية المحيطة بأهداف التحالف والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع القوى المجاورة [1, 21, 22]. 

2. التطور التاريخي للعلاقات الدفاعية الإقليمية المتبادلة

تستند اتفاقية مكة إلى تراث غني من العلاقات الثنائية الدفاعية التي تشكلت على مدار العقود الماضية بين الدول الثلاث [2, 14]. حيث تميزت العلاقات السعودية الباكستانية بخصوصية إستراتيجية فريدة، وفرت من خلالها إسلام آباد دعماً بشرياً وعسكرياً وتدريبياً مستمراً للمملكة العربية السعودية في مقابل حزم دعم مالي مستدامة وإمدادات نفطية ميسرة [2, 11]. وفي أعقاب اتفاقية 2025 الثنائية، قامت باكستان بنشر ما يقرب من 8000 جندي إضافي على الأراضي السعودية، مدعومين بوحدات جوية ومنظومات دفاع جوي تعتمد جزئياً على تكنولوجيا صينية متطورة لتعزيز حماية المنشآت الحيوية بالمملكة [2, 11, 15].

وعلى المسار التركي الباكستاني، ارتبطت الدولتان بعلاقات دفاعية وثيقة وتاريخية شملت مشاريع تطوير القطع البحرية المشتركة، وتدريب الطيارين، وتبادل البعثات العسكرية، وإجراء المناورات المشتركة الدورية [2, 8, 19]. ومثّلت هذه الروابط ركيزة أساسية للدعم الدبلوماسي والسياسي المتبادل في قضايا الأمن القومي والنزاعات الإقليمية في جنوب آسيا والشرق الأوسط، مما سهل عملية صياغة تفاهمات دفاعية أوسع نطاقاً ضمن الاتفاقية الجديدة [10, 19].

أما المحور التركي السعودي فقد شهد تحولاً جذرياً وسريعاً؛ فبعد سنوات من التنافس الإقليمي والتوترات السياسية، نجحت الدبلوماسية البراغماتية في تسوية الخلافات وفتح صفحة جديدة من التعاون الاقتصادي والعسكري المكثف [14, 22]. وكان من أبرز ثمار هذا التقارب توقيع أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ تركيا لتزويد القوات الجوية والبحرية السعودية بطائرات مسيّرة من طراز "بايكار" وتأسيس مشاريع لتوطين إنتاج قطع الغيار والمستشعرات الذكية داخل المملكة [2, 11, 14].

ويمثل مشروع المقاتلة التركية من الجيل الخامس "قاآن" (KAAN) النموذج الأكثر وضوحاً لهذا التكامل الثلاثي الواعد [3, 22, 23]. فبعد استبعاد تركيا من برنامج المقاتلة الأمريكية F-35، سعت أنقرة إلى تمويل وتطوير مشروعها الوطني بالتعاون مع باكستان التي وقعت بالفعل على اتفاقيات شراكة فنية، بينما تبحث السعودية بنشاط فرص الاستثمار المالي والتصنيعي في المشروع لتأمين احتياجاتها الجوية المستقبلية من الجيل الخامس خارج مسار القيود المفروضة من الكونغرس الأمريكي [3, 22, 23].

وبناءً على ذلك، لا يمكن النظر إلى اتفاقية مكة كحدث منفصل أو طارئ، بل هي الحصيلة المنطقية لتقارب المصالح الدفاعية والصناعية المتراكمة بين الدول الثلاث على مدار السنوات الأخيرة [14, 15]. وقد وصفت مراكز الأبحاث الدولية، مثل المجلس الأطلسي، هذا التقدم بأنه التطور الطبيعي لتعاون استراتيجي نضجت شروطه الموضوعية في ظل التحولات العميقة للبيئة الأمنية الإقليمية [15]. 

3. أوجه التشابه والاختلاف مع المادة الخامسة لحلف الناتو

تستدعي مقارنة اتفاقية مكة مع حلف شمال الأطلسي (NATO) قراءة فنية دقيقة للوقوف على دلالاتها القانونية والعسكرية [8]. من حيث أوجه التشابه، يتطابق الإطار العام للمادة الدفاعية في اتفاقية مكة مع مبدأ الدفاع الجماعي للمادة الخامسة لحلف الناتو، حيث يعتبر أي عدوان مسلح على أحد الأعضاء بمثابة هجوم مباشر على المنظومة بأكملها [1, 2, 18]. وقد أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هذا التشابه النوعي لتعزيز فكرة القيمة الردعية المشتركة للمعاهدة [8, 18].

كذلك، تتشابه الاتفاقيتان في السعي نحو مأسسة العلاقات الدفاعية عبر توفير هياكل دائمة لإدارة التنسيق والتشاور [2, 8]. وتتضمن اتفاقية مكة خططاً لإنشاء أمانة عامة دائمة ومقرها الرياض، وتشكيل لجان وزارية وعسكرية مشتركة تنعقد بانتظام لتطوير الإستراتيجيات وتحديد سياقات التدريب والعمليات المشتركة [2, 4, 8].

إلا أن الاختلافات الهيكلية تظل عميقة وحاسمة في تقييم فاعلية التحالف [8]. فبينما يمتلك حلف الناتو تاريخاً يمتد لأكثر من سبعة عقود من البناء التنظيمي، وقيادة عسكرية موحدة دائمة (SHAPE)، ومستودعات أسلحة متكاملة، ومعايير تقنية موحدة للذخيرة والاتصالات، تفتقر اتفاقية مكة حتى الآن إلى أي بنية قيادة عسكرية مشتركة ومفعلة على الأرض، ولا تتضمن قوات دائمة مخصصة للانتشار السريع [4, 8]. وكما يوضح الدبلوماسي التركي السابق مصطفى إنيس إيسين، فإن الاتفاقية تحمل حالياً طابعاً إستراتيجياً وسياسياً عاماً، ولن تؤدي تلقائياً إلى انخراط عسكري مباشر لتركيا في نزاعات معقدة ضد إيران أو الهند دون تأسيس مسبق لآليات القيادة والتحكم الفنية [8, 15].

علاوة على ذلك، تتميز المادة الخامسة للناتو بمسار تفعيل تاريخي محدد يرتبط بالشركاء الغربيين وبحسابات الردع النووي الشامل ضد الاتحاد السوفيتي سابقاً وروسيا حالياً [8]. في المقابل، تفتقر بنود اتفاقية مكة للوضوح الكافي بشأن سياق تفعيل الدفاع المشترك في حال التعرض لهجمات من فاعلين غير حكوميين (مثل جماعة الحوثي)، مما يترك مسألة التدخل العسكري المباشر خاضعة للمواءمات السياسية والتقديرات المرحلية لكل دولة عضو على حدة [4, 8].

أخيراً، يمثل الناتو منظومة أمنية دولية شاسعة النطاق تعكس مصالح دول غربية كبرى ذات توجهات كونية، بينما تنحصر اتفاقية مكة في المصالح الحيوية للدول الثلاث في الشرق الأوسط وجنوب آسيا [8]. ويصر المسؤولون الأتراك والسعوديون على نفي الصفة المذهبية أو الدينية عن الحلف الجديد، مؤكدين أنه ليس تكتلاً عسكرياً موجهاً ضد الهوية الشيعية في المنطقة، وإنما هو تنسيق أمني يهدف لحماية المصالح الوطنية للدول الموقعة ومفتوح لجميع الشركاء الإقليميين دون استثناء [2, 4, 22, 24].

4. الأهداف الاستراتيجية المحددة للدول الثلاث

تتقاطع الأهداف الاستراتيجية لتركيا من الانضمام للاتفاقية مع رؤيتها الأوسع لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية لسياساتها الخارجية والدفاعية [4, 14, 22]. وتسعى أنقرة إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية قائدة في غرب آسيا وحوض البحر المتوسط وصولاً إلى الخليج العربي، مما يتيح لها صياغة معادلات الأمن الإقليمي بشكل مستقل عن التفاهمات الأمريكية الروسية [1, 12, 14]. ويوفر التحالف الجديد لتركيا موطئ قدم أمني دائم في منطقة الخليج عبر الشراكة مع أكبر قوتين عسكريتين وماليتين في العالم الإسلامي [12, 13, 14].

وإلى جانب البعد الجيوسياسي، تمثل الطموحات الاقتصادية والصناعية دافعاً أساسياً للدولة التركية؛ حيث تحتاج المصانع والشركات الدفاعية التركية المتنامية إلى تدفقات مالية مستدامة وأسواق تصديرية ضخمة لتمويل مشاريعها المتقدمة مثل الطائرة قاآن والمسيّرات المتطورة [1, 2, 14, 22]. ويمثل السوق السعودي والخليجي عموماً شرياناً حيوياً للاقتصاد العسكري التركي لضمان استمرارية عجلة الإنتاج والتطوير المستقل [1, 2, 14].

من ناحيتها، ترى المملكة العربية السعودية في الاتفاقية تطبيقاً عملياً لإستراتيجيتها الرامية لتنويع الشراكات الأمنية وتقليل الاعتماد الحصري على الضمانات الأمنية الأمريكية المتقلبة [4, 11, 14]. وقد أظهرت تجارب السنوات الأخيرة للرياض أن واشنطن لم تعد شريكاً مضموناً بشكل مطلق في أوقات الأزمات الحادة، مما يفرض ضرورة بناء شبكة أمان إقليمية بديلة وموازية [4, 11].

وفي ظل استمرار التهديدات الحوثية والإيرانية لمنشآت الطاقة والبنية التحتية، تحتاج السعودية إلى تأمين حماية موثوقة لأراضيها لضمان إنجاح المشاريع العملاقة المدرجة ضمن رؤية "المملكة 2030" [1, 2, 4]. ويمثل الدمج بين القوة البشرية الباكستانية والتفوق التكنولوجي التركي حلاً مثالياً لتوفير مظلة دفاع جوي وبحري قادرة على ردع الخصوم في فترات السلم والحرب [1, 22].

أما باكستان، فإن دوافعها تتركز بشكل أساسي في البعد الاقتصادي الحيوي والأمن المالي [1, 2, 15]. ففي ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة ومعدلات التضخم المرتفعة وانخفاض قيمة العملة المحلية، تسعى إسلام آباد لضمان الحصول على قروض ميسرة، وإيداعات نقدية لدعم البنك المركزي، وإمدادات طاقة نفطية مؤجلة الدفع من المملكة العربية السعودية [1, 2]. وتستثمر باكستان تفوقها العسكري البشري وخبرتها القتالية لتحقيق مكاسب اقتصادية حاسمة لاستقرارها الداخلي [15].

وعلى الصعيد الأمني، تسعى إسلام آباد لترسيخ دورها كلاعب أمني إقليمي لا يمكن تجاوزه في قضايا الأمن الجيوسياسي لغرب آسيا، مع ضمان دعم سياسي ودبلوماسي متواصل من الرياض وأنقرة في مواجهة الضغوط المتزايدة من الهند التي تمتلك تفوقاً ديمغرافياً واقتصادياً كبيراً في جنوب آسيا [1, 4, 15, 22]. ويمنح هذا الحلف باكستان عمقاً استراتيجياً يحمي مصالحها الحيوية في الفضاءين العربي والإسلامي [11, 15]. 

5. التكامل الاستراتيجي للقدرات الدفاعية للدول الثلاث

تكمن القيمة المضافة الحقيقية لاتفاقية مكة في التكامل الهيكلي بين عناصر القوة التي تمتلكها الدول الثلاث؛ حيث يمثل دمج رأس المال الخليجي، والتكنولوجيا الصناعية التركية، والكتلة البشرية والخبرة الميدانية الباكستانية، نموذجاً مثالياً للتكامل الدفاعي [1, 12, 15, 24]. ويحمي هذا التكامل مصالح الشركاء عبر توفير آليات حماية متعددة المستويات تسهم في بناء ردع مستدام [8, 12].

تقدم تركيا القاعدة التكنولوجية والصناعية الأساسية للتحالف؛ حيث توفر لشركائها إمكانية الوصول إلى منظومات رادار متطورة، ومستشعرات ذكية، وطائرات مسيّرة أثبتت كفاءة ميدانية عالية، ومشاريع بحرية وبرية متكاملة تدار وفق معايير الناتو الفنية [1, 12, 14, 24]. ويسهم هذا التفوق الصناعي في تزويد القوات المشتركة بالعتاد والأنظمة الذكية اللازمة دون شروط مسبقة [1, 12, 14].

وتوفر السعودية العمق المالي والدعم اللوجستي والموقع الجيو-بستراتيجي المتميز؛ فبفضل موانئها الممتدة على طول ساحل البحر الأحمر والخليج العربي، ومضيق باب المندب، تمتلك الرياض القدرة على تأمين خطوط الإمداد ونقل القوات والمعدات بكفاءة وسرعة، مع تمويل مشاريع البحث والتطوير المشتركة لضمان استمرار الابتكار التقني [12, 24].

بينما تساهم باكستان بالكتلة البشرية المقاتلة ذات التجهيز العالي والخبرة القتالية الطويلة في الحروب التقليدية وغير التقليدية [1, 12, 24]. ويمتلك الجيش الباكستاني منظومات صاروخية بالستية وجوية متطورة وخبرة ميدانية واسعة في عمليات الدفاع الجوي والقتال الجبلي وحرب المدن، مما يجعله العمود الفقري لأي عمليات عسكرية مشتركة قد يفرضها واقع النزاعات الإقليمية [1, 12, 13, 24].

وفي حال تفعيل هذا التكامل بشكل كامل، يمكن أن يشكل النواة لتطوير ممرات نقل وربط اقتصادي وأمني بين الدول الثلاث [12]. وبدلاً من الاعتماد على مشاريع متعثرة جغرافياً وسياسياً مثل خط سكك حديد "إسطنبول-طهران-إسلام آباد"، يتيح التحالف الجديد تطوير ممرات بحرية وبرية بديلة ومحمية دفاعياً تربط موانئ باكستان بموانئ السعودية في الخليج والبحر الأحمر ومنها إلى تركيا وأوروبا، مما يحقق اندماجاً اقتصادياً موازياً للأهداف العسكرية [12]. 

6. مظلة الردع النووي الباكستاني وجدل "الدرع النووي"

يثير وجود باكستان كقوة نووية معلنة وحيدة في العالم الإسلامي ضمن اتفاقية مكة تساؤلات معقدة في الأوساط السياسية الدولية، ويثير مخاوف مبكرة لدى قوى دولية وإقليمية كالهند وإسرائيل والولايات المتحدة [5, 6, 22]. وقد ركزت العديد من التحليلات الغربية على مدى إمكانية امتداد مظلة الردع النووي الباكستاني لتشمل الأراضي التركية والسعودية تحت مسمى "الدرع النووي المشترك" [5, 6, 22].

ومن الناحية القانونية والوثائقية، تخلو النصوص المعلنة للاتفاقية من أي إشارة صريحة لمشاركة التكنولوجيا النووية أو توفير مظلة ردع نووية للدولتين الشريكتين [5, 6, 8]. وعلى الرغم من تصريحات وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف في أعقاب اتفاقية 2025 الاستراتيجية والتي أشار فيها بشكل غير مباشر إلى إمكانية تقديم مساعدة عسكرية دفاعية شاملة، فإنه سارع لاحقاً إلى توضيح أن الأسلحة النووية الباكستانية تظل خاضعة لرقابة وإدارة صارمة محلياً ولا تقع ضمن سياق النقل أو النشر الخارجي [4, 11].

ويرى خبراء الشؤون النووية (ومنهم منصور أحمد من الجامعة الوطنية الأسترالية) أن العقيدة النووية لباكستان وبنيتها الردعية مصممة وموجهة بالكامل لمواجهة التهديد الوجودي الهندي في جنوب آسيا [2, 4]. وبالتالي، فإن محاولة توسيع هذه العقيدة لتشمل الشرق الأوسط ومواجهة قوى كإيران أو إسرائيل سيعرض أمن باكستان القومي لمخاطر بالغة، ويؤدي إلى اختلال التوازن الإستراتيجي الحرج في شبه القارة الهندية [2, 4].

ومع ذلك، يرى الخبراء الأمنيون (مثل المحلل الهولندي ويدرشيون) أن عدم النص على الضمانات النووية رسمياً لا يلغي دور "الغموض الاستراتيجي" أو "الظل النووي الباكستاني" في تفعيل مستويات الردع النفسي للتحالف [4, 8, 10]. فبمجرد انضمام باكستان النووية لاتفاقية دفاع مشترك مع السعودية وتركيا، ينشأ لدى الخصوم الإقليميين هاجس دائم باحتمال لجوء إسلام آباد لتقديم دعم نوعي أو نشر قدرات ردع غير تقليدية في حالات التهديد الوجودي لأمن الرياض، مما يرفع الكلفة السياسية والعسكرية لأي عدوان محتمل [4, 8, 10].

بيد أن هذا الاحتمال يواجه قيوداً دولية صارمة ترتبط بنظام حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) [10]. وتراقب واشنطن والعواصم الغربية عن كثب أي مؤشرات على نقل تكنولوجيا الصواريخ البالستية ذات المدى البعيد، أو تبادل المواد الحساسة، أو توفير تدريبات مشتركة على سيناريوهات غير تقليدية، وتلوح بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية قاسية في حال رصد أي تجاوز للخطوط الحمراء الدولية [10]. 

7. التداعيات الجيوسياسية للاتفاقية على القوى الإقليمية وبؤر الصراع

أحدث توقيع اتفاقية مكة موجات ارتدادية متباينة في الأوساط السياسية للقوى الإقليمية المحيطة بالتحالف [2, 4]. فعلى الجانب الإيراني، اتسم الموقف الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية بالمرونة الدبلوماسية؛ حيث وصفت طهران الاتفاقية بأنها دليل إضافي على تراجع قدرة الولايات المتحدة على توفير كفالات أمنية موثوقة لحلفائها الإقليميين [2, 3]. إلا أن الأصوات البرلمانية والإعلامية في طهران بدت أكثر حدة، حيث وصف عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية البرلمانية إبراهيم رضائي الاتفاقية بأنها "مجرد حبر على ورق" لن تجلب الأمن الحقيقي للمملكة العربية السعودية [2, 22].

وخلف هذا الخطاب الدبلوماسي، تبدي إيران قلقاً عميقاً من احتمال تعرضها لتطويق جيوسياسي ثلاثي الأبعاد: من الشمال عبر تركيا، ومن الشرق عبر باكستان، ومن الجنوب والغرب عبر المملكة العربية السعودية [4, 8, 24]. ومن شأن هذا الوضع الإستراتيجي أن يضع قيوداً صارمة على حرية حركة طهران الإقليمية وقدرتها على توظيف الجماعات الموالية لها لفرض معادلات سياسية في المنطقة [4, 8].

أما إسرائيل، فإنها تنظر بقلق بالغ إلى هذا التجمع الدفاعي وتعتبره عائقاً كبيراً أمام تفوقها العسكري وتحركاتها الإقليمية [22, 25]. وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت عن هواجس تل أبيب بالقول إن اتحاد تركيا وباكستان والسعودية يمثل نشوء "محور تهديد وجودي" يحيط بإسرائيل، محذراً من أن السياسات التركية المتنامية قد تحول أنقرة إلى "إيران جديدة" على الحدود الشمالية والغربية [15, 22].

وفي الهند، أثار انضمام باكستان للتحالف وحصولها على دعم دفاعي ومالي سعودي تركي مخاوف عميقة لدى دوائر الأمن القومي في نيودلهي [2, 16, 22]. وطالبت الحكومة الهندية الرياض بمراعاة هواجسها الأمنية، وبدأت في تسريع وتيرة تنسيقها العسكري والتكنولوجي مع إسرائيل وقبرص واليونان ودول خليجية أخرى كالإمارات العربية المتحدة لخلق توازن موازٍ للتحالف الثلاثي [8, 16].

وبالنسبة لمصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، شكّل توقيع الاتفاقية مصدر قلق ومؤشراً على تحولات غير مرغوبة في توازن القوى الإقليمي [2, 22]. فالإمارات، التي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، أبدت تحفظاً كبيراً على تحركات السعودية العسكرية الجديدة رفقة تركيا وباكستان [2, 13, 22]. في حين شعرت القاهرة بالامتعاض جراء استبعادها من الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر، مما زاد من فتور العلاقات الإستراتيجية بين القاهرة والرياض [22].

وعلى صعيد بؤر الصراع الحيوية، مثل غزة واليمن وأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، هدفت الاتفاقية في المقام الأول لردع التهديدات الجوية والبحرية لجماعة الحوثي [4, 5, 8, 15]. ورغم نجاح الحوثيين في ضرب منشأة أرامكو بجازان بعد يومين فقط من التوقيع (في 9 أغسطس 2026) ودون صدور رد عسكري مشترك فوري من الحلفاء، فإن القيمة الردعية بعيدة المدى للتحالف تظل قائمة من خلال قدرته على توفير غطاء سياسي وعسكري يحول دون توسع النزاعات الإقليمية بشكل يهدد طرق الملاحة الحيوية وأمن الطاقة العالمي [4, 8, 15]. 

8. مواقف ومصالح القوى العظمى: الولايات المتحدة، الصين، وروسيا

تتأثر مواقف الدول الكبرى من اتفاقية مكة بطبيعة مصالحها الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا [2, 4]. وتتبنى الولايات المتحدة الأمريكية موقفاً مزدوجاً يتسم بالحذر والترقب [2, 22, 24]. فمن ناحية، ترحب واشنطن بجهود حلفائها لمشاركة أعباء الأمن والدفاع (burden-sharing) والتصدي الذاتي للتهديدات الصاروخية ومخاطر الملاحة البحرية، مما يتيح للجيش الأمريكي تقليل تكاليفه المباشرة وتركيز جهوده في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين [2, 15, 22].

ولكن من ناحية أخرى، تخشى الإدارة الأمريكية أن تؤدي هذه الاتفاقية إلى خروج حلفائها التقليديين عن مسار التنسيق الأمني والعسكري المعتمد من البنتاغون، وتراجع تأثير واشنطن كضامن أمني وحيد وأخير لمنطقة الخليج العربي [2, 22, 24]. ويثير هذا التوجه مخاوف جدية لدى واشنطن من نشوء أقطاب إقليمية مستقلة قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية دون ضوء أخضر أمريكي [2, 22].

من جانبها، تنظر جمهورية الصين الشعبية إلى هذا التقارب بعين الرضا والاستحسان الاستراتيجي؛ نظراً لعلاقاتها الوثيقة مع الدول الثلاث [17]. وترى بكين في تراجع النفوذ الأحادي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط فرصة سانحة لتعزيز أمن ممرات الطاقة والسلع الحيوية لشركاتها عبر شراكات إقليمية مستقلة [2, 17].

وبما أن الجيش الباكستاني يعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا الصينية في تسليحه (ومنها منظومات الدفاع الجوي HQ-9 المستخدمة لحماية الأراضي السعودية)، فإن الصين تستفيد من زيادة كفاءة وتأثير معداتها العسكرية في حماية البنية التحتية للطاقة في الخليج العربي [2, 4, 5]. ويدعم هذا الوضع مكانة الصين كمورد تكنولوجي واقتصادي رئيسي للدول الموقعة [2].

أما روسيا الاتحادية، فإنها تبدي ترحيباً مبدئياً بتراجع الهيمنة الأمريكية وتعدد الأقطاب الأمنية في المنطقة [12, 30]. ومع ذلك، تظل موسكو حذرة للغاية لضمان عدم تأثر وجودها العسكري في سوريا وعلاقاتها العسكرية الحيوية مع إيران جراء صعود هذا التكتل السني الجديد، وتسعى للحفاظ على قنوات اتصال متوازنة مع جميع الأطراف لمنع حدوث أي صدام غير مقصود للمصالح في غرب آسيا [12, 30]. 

9. التزامات تركيا الأطلسية ومسألة انضمام مصر للتحالف

تعد تركيا عضواً رئيسياً في حلف شمال الأطلسي (NATO) منذ 18 فبراير 1952 [3, 19]. وعقب توقيع اتفاقية مكة، سارعت وسائل إعلام غربية ومحلية موالية للمعارضة التركية إلى إثارة مزاعم تفيد بأن المعاهدة الجديدة تتعارض مع التزامات أنقرة الأطلسية وتمثل انشقاقاً غير معلن لتأسيس حلف عسكري إقليمي منافس [3, 26].

ورداً على هذه المزاعم، أصدرت دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية بياناً رسمياً وتفصيلياً، نفت فيه هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، ووصفتها بأنها "عارية تماماً عن الصحة ومحاولة مغرضة للتشويش على السياسة الخارجية المستقلة للدولة التركية" [26]. وأوضح البيان أن اتفاقية مكة لا تتقاطع أو تتعارض مع التزامات تركيا بموجب معاهدة واشنطن، بل تمثل آلية تعاون إقليمي مكملة تهدف لتعزيز الاستقرار وحماية المصالح الوطنية الحيوية لأنقرة في الشرق الأوسط [26].

وتوظف تركيا خبراتها المتراكمة داخل حلف الناتو لرفع الكفاءة الفنية للأنظمة الدفاعية المشتركة في الخليج، مما يسهم في خلق قنوات ترابط استراتيجي غير مباشرة بين الغرب والشرق [8]. وتعزز هذه الخطوة مكانة أنقرة كقوة وسيطة قادرة على توظيف الشراكات المتعددة لخدمة أمنها القومي دون التخلي عن تحالفاتها التقليدية [8].

وعلى صعيد إمكانية توسيع التحالف، برزت مسألة انضمام جمهورية مصر العربية كعنوان رئيسي للنقاشات الدبلوماسية [22, 28]. ورغم ترحيب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بمصر ووصفها بأنها "الشريك الطبيعي" والداعم الرئيسي لأمن البحر الأحمر، إلا أن الفيتو السعودي حال دون انضمام القاهرة للترتيبات الأمنية للاتفاقية [22, 28].

وتشير المصادر الدبلوماسية الموثوقة إلى أن الموقف السعودي الرافض يستند إلى خيبة أمل الرياض من المواقف المصرية السابقة؛ فرغم تقديم الرياض دعماً مالياً واستثمارياً تجاوز 25 مليار دولار للحكومة المصرية منذ عام 2013، إلا أن القاهرة رفضت إرسال قوات برية للمشاركة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين في اليمن، وتبنت مواقف محايدة تجاه النزاع السعودي الإيراني [22]. وتعتبر القيادة السعودية حكومة السيسي شريكاً يركز على المكاسب المالية فقط وغير موثوق في الأوقات العصيبة، فضلاً عن افتقار مصر للقدرة التكنولوجية والصناعية العسكرية المتقدمة التي تمتلكها تركيا، مما يجعل انضمامها عبئاً إضافياً دون قيمة مضافة حقيقية [22]. وبدورها، فضلت مصر النأي بنفسها للحفاظ على توازنات علاقاتها مع الهند وإسرائيل واليونان [28]. 

10. نقاط الضعف الهيكلية والمخاطر المحتملة للتحالف

تواجه اتفاقية مكة تحديات بنيوية كبرى قد تحد من كفاءتها العملية، وتأتي في مقدمتها الاختلافات الجوهرية في تعريف وتحديد مصادر التهديد بين الدول الثلاث [4, 8]. فبينما يمثل النفوذ الإيراني والجماعات الشيعية المسلحة التهديد الوجودي الأول للمملكة العربية السعودية، تركز تركيا جهودها الدفاعية لمواجهة الجماعات الإرهابية الكردية (PKK/YPG) في شمال سوريا والعراق وتحرص على حماية توازناتها الدبلوماسية والاقتصادية مع طهران [10, 4, 8, 15]. وفي المقابل، تظل العقيدة العسكرية لباكستان موجهة بالكامل لمواجهة الهند [2, 4].

كما يثير وجود نسبة كبيرة من المواطنين الشيعة في باكستان مخاوف جدية لدى المؤسسة العسكرية في إسلام آباد؛ حيث يخشى الجيش أن يؤدي الانخراط المباشر في عمليات عسكرية ضد إيران أو حلفائها لحماية المصالح السعودية إلى إثارة توترات طائفية دامية في الداخل الباكستاني، مما يفرض قيوداً صارمة على حجم وطبيعة الدعم العسكري الذي يمكن لإسلام آباد تقديمه [10, 2, 15].

ويضاف إلى هذه العقبات غياب قيادة عسكرية موحدة وآلية واضحة لاتخاذ القرار وصرف الموارد المالية المشتركة [4, 8]. فرغم الخطط النظرية لإنشاء أمانة عامة في الرياض، لم تحدد الاتفاقية سياق القيادة والسيطرة عند اندلاع مواجهات متزامنة، وكيفية توزيع النفقات العسكرية وتنسيق الضربات المشتركة، مما يجعل التحالف عرضة للارتباك التنظيمي في فترات الأزمات الحادة [4, 8].

كذلك، يبرز خطر الانجرار غير المرغوب فيه للنزاعات (entrapment) كهاجس أساسي للدول الثلاث [4, 8, 15]. إذ تخشى أنقرة وإسلام آباد التورط في حرب إقليمية شاملة ضد طهران بسبب سوء تقدير في اليمن أو الخليج، وتتخوف الرياض وأنقرة من الانجرار لصدام عسكري مدمر بين باكستان والهند في جنوب آسيا، بينما ترفض إسلام آباد والرياض الدخول في نزاعات تركيا المعقدة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا [4, 8, 15].

أخيراً، قد يسهم التحالف في تسريع وتيرة سباق التسلح الإقليمي وزيادة مخاطر المواجهة النووية في آسيا والشرق الأوسط [4, 8, 10]. ويدفع تشكيل هذا التكتل الدفاعي قوى كالهند وإسرائيل وإيران لزيادة وتيرة تسلحها وتطوير قدراتها الهجومية الصاروخية والجوية لتحييد عناصر القوة للتحالف الثلاثي، مما يضعف الاستقرار العام ويزيد من احتمالات نشوب نزاعات مدمرة [4, 8, 10]. 

11. ثلاثة سيناريوهات استشرافية لمستقبل الاتفاقية

السيناريو الأول: بقاء الاتفاقية في إطار التعاون الرمزي المحدود. يفترض هذا المسار بقاء المعاهدة كإطار سياسي عام دون تطوير قيادة عسكرية مشتركة أو تفعيل آليات الدفاع التلقائي [4, 8, 15]. وينحصر التعاون في الصفقات التجارية الثنائية (شراء السعودية للمسيّرات التركية) واستمرار باكستان في تقديم خدمات التدريب والدعم الدفاعي التقليدي للرياض، دون حدوث اندماج حقيقي للقدرات الاستراتيجية، مما يجعل الاتفاقية غير قادرة على الصمود أمام الأزمات الأمنية الكبرى [4, 8, 15].

السيناريو الثاني: التحول إلى تحالف دفاعي إقليمي فاعل ومؤثر. يتطلب هذا السيناريو نجاح العواصم الثلاث في تجاوز خلافاتها، وتفعيل الأمانة العامة بالرياض، وتأسيس قيادة عسكرية موحدة للعمليات المشتركة وتنسيق الدفاع الجوي والبحري [12, 8, 7]. ويترافق ذلك مع نجاح الإنتاج المشترك للمقاتلة قاآن وتوطين الصناعات الدفاعية، مما يخلق قطباً أمنياً إقليمياً مهيباً قادراً على فرض توازن استراتيجي مستقل وردع القوى المنافسة دون الحاجة لتدخل مباشر من القوى العظمى [4, 8].

السيناريو الثالث: التآكل السريع والانهيار نتيجة الأزمات الإقليمية أو التحولات الداخلية. يتجسد هذا السيناريو في حال اندلاع أزمة أمنية حادة تطلب فيها الرياض تفعيلاً عسكرياً مباشراً للمعاهدة (كحرب شاملة ضد إيران)، وتواجه برفض أو مماطلة من أنقرة وإسلام آباد نتيجة اعتبارات داخلية أو هواجس أمنية خاصة [4, 8, 15]. وسيؤدي هذا التراجع إلى انهيار فوري لثقة الأطراف في الاتفاقية وتحولها إلى وثيقة رمزية خالية من القيمة الردعية، بالتزامن مع تفاقم الخلافات السياسية البينية [4, 8, 15].

وتشير هذه السيناريوهات المتعددة إلى أن مستقبل اتفاقية مكة يظل مفتوحاً على مسارات متباينة تعتمد بشكل مباشر على مدى جدية الإرادة السياسية للقادة والقدرة الفنية على ترجمة البنود النظرية إلى واقع مؤسسي على الأرض [8]. 

12. خاتمة ومؤشرات التقييم المستقبلية

في الختام، تمثل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" الموقعة في 7 أغسطس 2026 حدثاً إستراتيجياً هاماً يعيد رسم ملامح البنية الأمنية والجيوسياسية للشرق الأوسط وجنوب آسيا [2, 4, 15]. ومن الخطأ المنهجي المبالغة في تقدير قيمتها عبر تصويرها كولادة فورية لـ "ناتو إسلامي"، كما لا يمكن التقليل من أهميتها ووصفها بمجرد تحرك دبلوماسي عابر لا قيمة له على الأرض [4, 8, 7].

إن الاتفاقية تعكس واقعاً إقليمياً جديداً يتسم بتراجع الهيمنة الأمنية الأمريكية المطلقة وسعي القوى الإقليمية لإنشاء شبكات أمان دفاعية موازية ومتعددة لضمان استقرارها وحماية سيادتها الوطنية [8, 10, 15]. ويمثل الدمج بين التكنولوجيا التركية، ورأس المال السعودي، والعمق العسكري الباكستاني محاولة طموحة لخلق ردع إقليمي مستدام يعتمد على القدرات الذاتية للدول الأعضاء [1, 12, 24].

ولتقييم مدى نجاح وتحول هذه الاتفاقية في المستقبل، يتعين على الباحثين ومراقبين الشؤون الأمنية مراقبة المؤشرات الاستراتيجية الثلاثة التالية:

أولاً: سرعة وجدية تأسيس الأمانة العامة الدائمة في الرياض وبناء هياكل القيادة والتحكم العسكرية الموحدة [4, 8].

ثانياً: حجم وطبيعة التدفقات المالية الاستثمارية السعودية في المشاريع الدفاعية التركية الكبرى وتحديداً برنامج الطائرة المقاتلة "قاآن" [22, 23].

ثالثاً: مستوى التنسيق والرد السياسي والعسكري المالي المشترك للبلدان الثلاثة في حال حدوث هجمات صاروخية أو بحرية جديدة تستهدف المنشآت الحيوية أو ممرات الشحن البحري في البحر الأحمر والخليج العربي [4, 8, 15].

إن قدرة الدول الثلاث على تحويل هذه المؤشرات إلى منجزات ملموسة ستحدد ما إذا كانت اتفاقية مكة ستصبح الركيزة الأساسية لنظام أمني إقليمي جديد، أم ستنضم إلى قائمة المشاريع التاريخية الكبرى التي عجزت الإرادة السياسية عن ترجمتها إلى واقع عملي مستدام [12, 8].

المصادر والمراجع:

[1] TRT World. "Attack on One Is Attack on All, Say Türkiye, Saudi Arabia and Pakistan in Joint Defence Pact." *TRT World*, August 7, 2026.

[2] "Mecca Joint Defence Agreement." *Wikipedia, The Free Encyclopedia*. Last modified August 2026.

[3] "Mekke Ortak Savunma Antlaşması" [Mecca Joint Defence Agreement]. *Vikipedi, Özgür Ansiklopedi*. Son güncelleme 11 Ağustos 2026.

[4] The Media Line. "Mecca Joint Defence Agreement Exposes Limits of US Military Reliance." *The Media Line*, August 11, 2026.

[5] The Guardian. "Saudi Arabia, Pakistan and Turkey Sign Nato-Style Defence Pact Amid Deadly Houthi Strikes in Yemen." *The Guardian*, August 7, 2026.

[6] Middle East Eye. "What Pakistan's Defence Pact with Saudi Arabia and Turkey Means for the Middle East." *Middle East Eye*, August 8, 2026.

[7] الجزيرة نت. "اتفاقية مكة.. انعكاسات الدفاع المشترك على موازين القوى الإقليمية" [Mecca Agreement: Implications of Joint Defence on Regional Balance of Power]. *الجزيرة نت*, 10 أغسطس 2026.

[8] Ifimes. "The Makkah Agreement and the New Security Architecture of the Middle East." *International Institute for Middle East and Balkan Studies (IFIMES)*, August 10, 2026.

[9] ایرنا. "معاون اردوغان: توافق مکه برای تقویت بازدارندگی است، نه علیه هیچ طرف ثالثی" [Erdogan's Deputy: The Mecca Agreement Is to Strengthen Deterrence, Not Against Any Third Party]. *ایرنا*, 9 أغسطس 2026.

[10] *«2026-يىلىدىكى «مەككە ئورتاق مۇداپىئە كېلىشىمى» ھەققىدە كۆپ قىرلىق سىياسىي ۋە ئىستراتېگىيەلىك ئانالىز دوكلاتى»* (مۇستەقىل ماركداۋن دوكلاتى), ئاۋغۇست 2026.

[11] "Strategic Mutual Defence Agreement." *Wikipedia, The Free Encyclopedia*. Last modified September 2025.

[12] Anadolu Ajansı. "Mekke Ortak Savunma Anlaşması: Stratejik tamamlayıcılık ve bölgesel entegrasyon" [Mecca Joint Defence Agreement: Strategic Complementarity and Regional Integration]. *Anadolu Ajansı*, 11 Ağustos 2026.

[13] Şarkul Avsat Türkçe. "Mekke Ortak Savunma Anlaşması… Yeni bir bölgesel güvenlik denklemine doğru" [Mecca Joint Defence Agreement… Towards a New Regional Security Equation]. *Şarkul Avsat Türkçe*, 10 Ağustos 2026.

[14] Lowy Institute. "The Mecca Pact Redraws the Indo-Pacific's Western Edge." *The Interpreter, Lowy Institute*, August 10, 2026.

[15] وكالة الأنباء السعودية (واس). "سمو ولي العهد يلتقي رئيس الجمهورية التركية" [Crown Prince Meets Turkish President]. *وكالة الأنباء السعودية (واس)*, 7 أغسطس 2026.

[16] ترك برس. "التحالف السعودي-التركي-الباكستاني.. معادلة جديدة لردع إيران؟" [The Saudi-Turkish-Pakistani Alliance: A New Equation to Deter Iran?]. *ترك برس*, أغسطس 2026.

[17] تابناک. "چرا مصر به پیمان مکه ملحق نشد؟" [Why Didn't Egypt Join the Mecca Treaty?]. *تابناک*, 11 أغسطس 2026.

[18] الجزيرة نت. "اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. تحالف ردعي بين السعودية وباكستان وتركيا" [Mecca Joint Defence Agreement: A Deterrent Alliance Between Saudi Arabia, Pakistan and Turkey]. *الجزيرة نت*, 7 أغسطس 2026.

[19] صحيفة مكة الإلكترونية. "التحالف الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا: قراءة تاريخية واستراتيجية وتفنيد للاعتراضات" [The Tripartite Alliance Between Saudi Arabia, Pakistan and Turkey: A Historical and Strategic Reading and Refutation of Objections]. *صحيفة مكة الإلكترونية*, أغسطس 2026.

[20] الاقتصادية. "السعودية وتركيا وباكستان توقع اتفاقية مكة للدفاع المشترك" [Saudi Arabia, Turkey and Pakistan Sign Mecca Joint Defence Agreement]. *الاقتصادية*, 7 أغسطس 2026.

[21] PBS News. "Pakistan Says New Defense Pact with Saudi Arabia and Turkey Is 'Purely Defensive' and Open to Others." *PBS*, August 9, 2026.

[22] Middle East Eye. "Saudi Arabia Opposed Egypt's Inclusion in Mecca Agreement, Sources Say." *Middle East Eye*, August 11, 2026.

[23] الشرق للأخبار. "الملك سلمان: اتفاقية مكة تُرسخ إطار شراكة دفاعية طويلة المدى" [King Salman: Mecca Agreement Establishes a Long-term Defence Partnership Framework]. *الشرق للأخبار*, 11 أغسطس 2026.

[24] Ministry of Foreign Affairs, Kingdom of Saudi Arabia. "Makkah Al-Mukarramah Summit for Joint Defence." Official Press Release, August 7, 2026.

[25] 新浪网站导航. "沙特- 最新沙特实时滚动快讯,聚合所有沙特相关热门新闻快讯_新浪汽车" [Saudi Arabia: Latest Real-time Rolling News]. *新浪网站导航*, 11 August 2026.

[26] Daily Sabah. "Türkiye Touts Mecca Deal with Celebratory Campaign." *Daily Sabah*, August 2026.

[27] 新浪财经. "土耳其、巴基斯坦与沙特签署《麦加共同防御协定》" [Turkey, Pakistan and Saudi Arabia Sign "Mecca Joint Defence Agreement"]. *新浪财经*, 9 August 2026.

[28] T.C. İletişim Başkanlığı. "“Mekke Ortak Savunma Anlaşması”nın NATO'nun 5. maddesiyle çeliştiği iddialarına ilişkin açıklama" [Statement Concerning the Claims that the Mecca Joint Defence Agreement Conflicts with NATO's Article 5]. *Dezenformasyonla Mücadele Merkezi, İletişim Başkanlığı*, 07 Ağustos 2026.