الكاتبة: ليلى عيسى
تاريخ النشر: 21 أغسطس/آب 2026
تحرير: ماكس كابجيان وليلى فان غلابيك
مراجعة علمية: صوفي برايت وأليكس باغدادي
مقدمة
في عام 1999، دخل شاب أويغوري يُدعى عبد الله في جدال مع إمام محلته بعدما جهر بقول «آمين» في ختام الصلاة، وهو فعل بسيط اعتُقل بسببه. وحمّل عبد الله محنته لهذا «الإمام الحكومي» الذي اتهمه بالعمل لمصلحة «الصينيين الكفار» (Smith-Finley, 2013: 252). وبحكم منصبه، كان الإمام خاضعاً لإشراف الجمعية الإسلامية الصينية التي تقودها الدولة، ومُلزماً بإلقاء خُطب «وطنية وسليمة سياسياً» (Irwin, 2021). وكانت تلك نقطة توتر شديدة في تسعينيات القرن العشرين في منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم («منطقة الأويغور») [1]، المعروفة أيضاً باسم تركستان الشرقية؛ إذ قتل مسلحون أويغور عدداً من «الأئمة الحكوميين» بتهمة «عدم الولاء» (Thum, 2014: 334). ويجب وضع هذا العنف في سياق الصراع الأوسع بين الأويغور وجمهورية الصين الشعبية، في ظل مشروع مستمر لأمننة الهوية الدينية الأويغورية واستئصالها انتقائياً (Finley, 2013; Harris, 2020; Byler, 2022). ومع أن سياسة تقرير المصير لدى عبد الله كانت خلفية الخلاف، فإنه كان نزاعاً لاهوتياً أيضاً؛ فالراجح أن الإمام عارض جهره بـ«آمين» لأنها ممارسة في الصلاة مرتبطة بالمذهب الحنبلي، تدل على توجّه سلفي وتخالف المذهب الحنفي المألوف لدى الأويغور (Waite, 2007: 170). ويبيّن ذلك أنه بحلول أواخر القرن العشرين أصبح الإسلام الأويغوري ساحة لصراعين مترابطين: حملة خارجية التوجّه ضد الدولة الصينية، ونزاع ديني داخلي حول العقيدة الصحيحة.
أقيّم في هذه الورقة تقديم السياسي الصريح على الديني، وميل الدراسات إلى تصوير الإسلام الأويغوري بوصفه مكوِّناً للمقاومة ضد السيطرة الاستعمارية الصينية في المنطقة (Fuller and Lipman, 2004; Rudelson and Jankowiak, 2004; Smith-Finley, 2013). ثم أبحث ما إذا كانت هذه الحجج تتكامل أو تتعارض مع فهم كثير من المسلمين الأويغور لتدينهم وطريقة التعبير عنه. ومن ثم تسأل الورقة: إلى أي مدى يمكن فهم نشوء الحركات الإسلامية الأويغورية ودينامياتها الداخلية وتفاعلها مع الحداثة، في علاقتها بالدولة الصينية؟
أعرض أولاً وأقيّم ما أسميه التأطير الوظيفي، حيث يُحلَّل الإسلام الأويغوري في علاقته بالبنى السياسية. ويرى كثيرون أن أفضل تصور له هو أداة للتعبئة وتعبير عن «مقاومة رمزية» للهيمنة الصينية (Smith-Finley, 2013: 258). ويُعتقد أن غالبية ما لا يقل عن 12 مليون أويغوري وغيرهم من الأقليات التركية في تركستان الشرقية، أقصى مناطق الصين المعاصرة إلى الشمال الغربي، يرون الحكم الصيني غير شرعي (Byler, 2022: x; Bellér-Hann et al., 2009: 1). وقد حضرت الدولة الصينية في المنطقة بصورة متقطعة منذ منتصف القرن الثامن عشر، رغم الانتقال من إمبراطورية تشينغ إلى جمهورية الصين ثم إلى جمهورية الصين الشعبية (Gladney, 1990; Millward, 2021). ومنذ أواخر القرن العشرين نفّذت الأخيرة مشروعاً للأمننة الجماعية والاستيعاب ضد الأويغور وسائر الأقليات التركية؛ وتجسّد منذ 2017 في برامج الاحتجاز الجماعي والعمل القسري (Greitens, Lee, and Yazici, 2020: 24; Tobin, 2021: 94). لذلك يمكن فهم الحركات الإسلامية الأويغورية جزئياً من خلال هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الاستخراجية.
غير أن التحليل المتمركز حول الدولة يفضي إلى تصوير الإسلام الأويغوري بوصفه تفاعلياً بالكامل. أما التأطير الجوهري، الذي يعيد توجيه الانتباه إلى الدراسات التاريخية والروايات الإثنوغرافية، فيسعى إلى إبراز «الفاعلية الإنسانية داخل بنى التبعية» (Mahmood, 2001: 205) والديناميات الداخلية للحركات الإسلامية الأويغورية. وانطلاقاً من ذلك أرى أن موجتي الحركات الحداثية الإسلامية الأويغورية لم تتجها ضد البنية الاستعمارية بقدر ما انطوتا على تنازع داخلي بشأن استيعاب الحداثة في سياق إسلامي. فالـ«حداثة» بنية معرفية تحملها الإمبراطورية وتسهم في تكوينها (Quijano, 2007)، وهي ليست فئة ثابتة. خضع المسلمون الأويغور لنماذج حضارية في أواخر عهد تشينغ، ثم تحولت في أواخر القرن العشرين، في ظل دولة قومية استيعابية وملحدة، إلى معيار للحداثة تقيسه مقاييس صينية المركز. وفي هذه الظروف برزت حركتان كان للحداثة فيهما شأن واضح: «الجديدية» و«السُّنَّتية» [2]؛ وهما جزء من الموجة العالمية الأوسع للإصلاح الإسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر، والإحياء الإسلامي منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين.
أضع الحركتين الجديدية والسُّنَّتية في إطار تحليلي واسع واحد لسد فجوة في دراسات الإسلام الأويغوري التي كثيراً ما تتناولهما منفصلتين (Brophy, 2016; Smith-Finley, 2013). فقد تفاعلت الحركتان مع الفكر الإسلامي العابر للحدود، وسعتا إلى تحديث المجتمعات الإسلامية عبر توظيف معرفيات الإمبراطورية لخدمة أجندتين مختلفتين. وبين الأويغور العاديين غير المتعلمين دينياً، جرى تبني الحركات التي قادتها النخب بصورة جزئية وامتزجت بممارسات «تقليدية» متأثرة بالتصوف. وتكشف عن هذا التركيب، وسط تصاعد الاضطهاد، جماعة من المهاجرين الريفيين إلى المدينة في أورومتشي، وحلقة نسائية لتلاوة القرآن في الجنوب (Harris, 2020; Byler, 2022). وبإبراز نطاق أوسع من المجتمع الأويغوري، أوضح الفجوة بين خطاب المصلحين الذكور المتعلمين دينياً وبين التدين الشعبي، حيث يوجد الورع الإحيائي «الحديث» ضمن ذخيرة واسعة من النماذج الإسلامية التي تمنح المجتمعات الدينية التابعة معنى وبنية. ويكشف التحليل الجوهري لهذه الأمثلة عن تنوع داخلي لا تستطيع المقاربة الوظيفية إظهاره.
ومن خلال إيضاح تفاعل المسلمين الأويغور المركب مع مفهوم الحداثة، أبيّن حدود وضع الإسلام الأويغوري حصراً في علاقته بالدولة الصينية. وأطرح إشكالية ميل الدراسات إلى الإفراط في توظيف الاعتقاد الديني المتجذر كأداة، بغية تمثيل ذوات المسلمين تمثيلاً أدق (Euben, 1999). ومن ثم تعارض الورقة خطاب جمهورية الصين الشعبية الذي يشيّئ الإسلام الأويغوري في صورة تهديد إرهابي تفاعلي، وكذلك روايات الإعلام الغربي التي تختزله في استجابة لمعاناة متقطعة. وبدلاً من ذلك، تؤكد ضرورة النظر في عمق الإسلام الأويغوري وديناميته وأبعاده المتعددة؛ وهي مقاربة أساسية لفهم أسباب العنف الرسمي والقمع الديني المستمرين في تركستان الشرقية وحجم ما يترتب عليهما.
الفصل الأول
مراجعة أدبيات الدراسات الأويغورية: النظر إلى ما وراء الدولة الصينية
تحليل الدولة الصينية وماضيها الإمبراطوري ضروري لفهم الاستعمار المعاصر في منطقة الأويغور، لكن استجلاء الديناميات الداخلية للحركات الإسلامية الأويغورية يقتضي النظر إلى ما وراء الدولة. ومع ذلك، تطغى التواريخ السياسية المتمركزة حول الدولة على معظم الدراسات. وقد دار الجدل التأريخي السائد حول عمق الهيمنة الصينية على السكان الأتراك الأصليين في تركستان الشرقية ومدتها. ففي 1759 أُدمجت المنطقة في إمبراطورية تشينغ «الكبرى»، وبحلول 1885 حُكمت تركستان الشرقية بوصفها ولاية طرفية (انظر الشكل 2) (Thum, 2014: 3). وفي مطلع القرن العشرين تفككت الإمبراطورية. وبعد فترتين قصيرتين من الاستقلال، أُدمجت منطقة الأويغور في جمهورية الصين الشعبية سنة 1949. ومنذ ذلك الحين حصل الأويغور على قدر متذبذب لكنه محدود من الحكم الذاتي السياسي (Thum, 2014: 4).
تحجب روايات الدولة الصينية تاريخ الفتح هذا؛ فالأويغور يُتخيَّلون واحداً من ست وخمسين مجموعة إثنية صينية قابلة للتبادل، «متماسكة مثل حبات الرمان»، بحسب الاستعارة الشائعة (سفارة جمهورية الصين الشعبية في المملكة المتحدة، 2024). ويعيد مؤرخو الدولة، مثل تشانغ دونغ يويه، جذور العلاقة إلى الماضي البعيد، ضمن رواية «تطبّع» المنطقة بوصفها «مكوِّناً» و«جزءاً لا يتجزأ من الوطن الأم [الصيني]» (Bovingdon, 2001: 114). ويصف غاردنر بوفينغدون هذا التأطير الدائم كأقلية بأنه «إدماج أيديولوجي» متشابك مع سلطة الدولة، صُمم لإضفاء الشرعية على الحكم الصيني لتركستان الشرقية بوصفه متصلاً تاريخياً (2001: 123, 96). ويقدم المؤرخ الأويغوري تورغون ألماس تاريخاً مضاداً للروايات الرسمية، وتصوّراً إثنياً-جغرافياً لتركستان الشرقية باعتبارها وطناً قومياً للأويغور (Bovingdon, 2001: 123):
أرضاً تشكلها مدن الواحات الزراعية المتجذرة في تيارات إسلامية عابرة للحدود والمتصلة بالعوالم التركية والفارسية والعربية غرباً (Thum, 2014: 4). وفي كتابه الأويغور يشير ألماس إلى سلسلة من الكيانات السياسية الأويغورية المستقلة في آسيا الوسطى (Bovingdon, 2001: 124)، ومنها جمهورية تركستان الشرقية الأولى في خوتن بين 1933 و1934، والثانية في غولجا بين 1944 و1946 (Kamalov, 2021). وتنسجم فترتا الاستقلال مع دراسات مدرسة تاريخ تشينغ الجديدة التي تشدد على حضور الحكم الصيني المتقطع والمتسم باستمرار بنفاذ الحدود (Fuller and Lipman, 2004: 332)، وتفنّد دعاوى الهيمنة التاريخية الدائمة في الأراضي الطرفية (Qian, 2024).
هذه التواريخ السياسية المتمركزة حول الدولة والإمبراطورية، سواء أكانت نقدية أم غير ذلك، ضرورية لفهم بنى القمع، لكنها محدودة في تصور الديناميات الداخلية. ولإعادة توجيه الدراسات الأويغورية يقترح ريان ثوم منهجاً تاريخياً أنثروبولوجياً جديداً يركّز على انتقال النصوص وتكوّن الهوية الدينية (2014). ويشرح أن الإسلام بدأ ينتشر في المنطقة في القرن العاشر، وامتزج بممارسات بوذية ومانوية سابقة. وتطور ما نسميه «الإسلام الأويغوري» إلى نظام ديني متميز يتألف من مسارات واسعة لزيارة الأضرحة، تسندها مدونة شعبية من مناقب
الأولياء المحليين (Thum, 2014: 14). وشكّلت الممارسات «جماعة متخيَّلة متجذرة في الأرض وممارسة التعبد» (Thum, 2014: 15)، وأسهمت في تكوين هوية تركية-إسلامية ذات صبغة دينية ومستقلة جزئياً عن بنى الدولة. وهذا النظام الديني المرتبط بالأرض يدعم إطار الأصلانية في الدراسات الأويغورية، ويتحدى وضع الأويغور إما كرعايا صينيين ضالين (Thum, 2014: 13)، أو كشعب «حدودي» لم تتشكل هويته إلا بالاحتكاك بالدول المتمركزة في الصين (Byler, 2022: 38). ويدل عمل ثوم على إمكان إعادة مركزية مثمرة للدراسات الأويغورية خارج قيود التاريخ السياسي الصيني.
فتح هذا المنهج التاريخي الأنثروبولوجي مساراً منهجياً لوجهات نظر الفئات التابعة. لكن التطورات الأخيرة دفعت إلى العودة للتحليل المتمركز حول الدولة سعياً إلى فهم اشتداد القمع في القرن الحادي والعشرين. فقد حللت الدراسات المعاصرة المجتمع الأويغوري في إطار «نظام استعماري متواصل للاستيطان والاستخراج» (Millward, 2021: 106). ووُصف اقتصاد المنطقة بأنه منظم وفق «خطوط إثنية-عرقية»، وقائم على نزع الملكية الاقتصادية واستغلال عمل الأويغور وتراكم الثروة المقابل لدى المستوطنين (Byler, 2022: x; إلهام توختي، نقلاً عن Millward, 2021: 105). ويشير الباحثون إلى مرحلة الإصلاح والانفتاح في الثمانينيات وإدماج المنطقة في «دوائر الرأسمالية العالمية» (Harris, 2022: 15). وفي القرن الحادي والعشرين وصف بعضهم تحول «الوطن الأويغوري» إلى منطقة تشبه «مستعمرة طرفية كلاسيكية» (Byler, 2022: 106).
في 2014، وتحت غطاء «مكافحة الإرهاب» (Roberts, 2020)، أطلقت جمهورية الصين الشعبية حملة لأمننة الدين في منطقة الأويغور، ضمن بنية قمعية أوسع تشكل الإسلام الأويغوري المعاصر (Byler, 2022: xi). واعتُقل تعسفياً أثناءها أكثر من مليون أويغوري ومسلم من الشعوب التركية في معسكرات «إعادة التعليم» (Tobin, 2021: 16). وأُخضعت نساء أويغوريات للزواج القسري من رجال من قومية الهان وللتعقيم القسري (Worden et al., 2022). وبين 2015 و2018 تراجعت معدلات المواليد بنسبة 85 في المئة في أكبر ولايتين أويغوريتين (Zenz، نقلاً عن Hayes and Sims, 2022: 436). وخلص خبراء كثر إلى أن هذه السياسات تدل على الإبادة الجماعية، لما تنطوي عليه من نية لتدمير «قدرة الجماعة على إعادة إنتاج أسسها الثقافية» (Tobin, 2021: 97; محكمة الأويغور بلندن، 2021; البرلمان البريطاني، 2022). وقد يمثل «قانون الوحدة الإثنية» لعام 2026، المصمم «لإخضاع الأقليات الإثنية» (McDonell, 2026)، أحدث مراحل «التفكيك المنهجي والمتكرر للتراث الثقافي والديني [الأويغوري]» (Criner and Szadziewski, 2026).
إن فهم الحملة بوصفها متجذرة في منطق استعماري يضع اضطهاد الأويغور ضمن الانتشار العالمي لحملات أمننة الأقليات المسلمة في الأراضي المتنازع عليها (Hussin, 2018; Harris and Woodman, 2020). ويمكن القول إن بنى الاحتجاز والمراقبة في «تركستان الشرقية المحتلة صينياً» و«فلسطين المحتلة إسرائيلياً» و«كشمير المحتلة هندياً» «تعكس» بعضها بعضاً، في جهود متوازية تبذلها هذه الدول «للسيطرة المنهجية على الشعوب المستعمَرة» (Byler, 2022: xvi). وتضع هذه المقارنة الصين بجانب دول احتلال أخرى، وتساعد في تحدي الروايات التي ترى أن «الاستعمار شيء وقعت الصين ضحيته [كما في قرن الإذلال]، لا شيء تمارسه الصين» (Anand, 2019: 133). وبالنظر إلى اتساع مشروع التحول العنيف ونزع ملكية الأقليات، مالت الدراسات إلى تنظير الإسلام الأويغوري من خلال أثر هذه السياسات.
التركيز على بنى القمع ضروري من أوجه كثيرة، ولا سيما من منظور حقوق الإنسان (Clarke, 2010). وينعكس أيضاً لدى شباب أويغوريين في الشتات يضعون الدولة الصينية في المركز عندما يقدمون «ثيوديسياتهم» لتفسير المعاناة و«أسباب» الإبادة (Mahmut et al., 2021). لكن التأطير المتمركز حول الدولة لا ينبغي أن يكون كل الدراسات الأويغورية؛ فلم تُبذل في العلوم السياسية إلا جهود محدودة للنظر إلى ما وراء الدولة الصينية. ومع أن جوان سميث-فينلي تقدم عرضاً مفصلاً للإحياء الإسلامي الأويغوري في أواخر القرن العشرين (2013)، فإن تحليلها السياسي يظل محصوراً في شرط الحكم الصيني البنيوي. واتخذت الأعمال الإثنوغرافية الحديثة اتجاهاً مثمراً، إذ وثقت كيف تبقى الجماعات الدينية الأويغورية على قيد الحياة وتعيد التكيف وسط القمع (Waite, 2006; Byler, 2022). وهي تُظهر الديناميات الداخلية والتنازع والأبعاد الجندرية للإسلام الأويغوري التي تغيب عن التحليل السياسي على مستوى الدولة (Harris, 2020).
وأسهم في النقاش بتصور الحركات الإسلامية الأويغورية حركاتٍ تكوّن نفسها بنفسها، شكّلها تأثير الدولة الصينية لكنه لم يعرّفها؛ وذلك لاستعادة الدقة والعمق الخطابي والفاعلية التي تحجبها المقاربات المتمركزة حول الدولة. ويعرض القسم التالي الإطار النظري المستمد من مجالات بحثية مجاورة لتفسير نشوء هذه الحركات وصورتها.
الأطر النظرية
تطوّر هذه الورقة إطاراً نظرياً من دراسات الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط. والمقصود بوضع الدراسات الأويغورية خارج علم الصينيات هو إبراز التقليد الإسلامي السني المشترك وتوجه الأويغور إلى الشرق الأوسط باعتباره «الموطن والمصدر للممارسة [الإسلامية] الصحيحة» (Harris, 2020: 6). وأميّز بين التصورين الوظيفي والجوهري لنشوء الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط وشكلها منذ أواخر القرن التاسع عشر. تفترض «الوظيفية» أن الحركات الإسلامية تعبير عن السخط (Lapidus, 1997: 444)، وأن الدين تجريد روحي يتحول تحت «الضغوط البنيوية» إلى أداة شبه ميكانيكية للمقاومة السياسية (Euben, 1999: 48).
لكن لا ينبغي اتخاذ الدين غطاءً للسياق السياسي. فلا بد من فسحة لجاذبيته الذاتية والاعتراف بأن الإيمان «يسهم فعلياً في بناء صور مختلفة من الشخصية والمعرفة والخبرة» (Mahmood, 2001: 16). ولتمثيل هذا العمق أتبنى منهج طلال أسد الأنثروبولوجي الذي يفهم الإسلام بوصفه «تقليداً خطابياً» معيشاً وممارساً، متجذراً في النص المؤسس ومستداماً بالتعليل والجدال والتعليم المتواصل (1986: 20). والإسلام «الحديث» «بنية مركبة» مشروطة تاريخياً، صاغها لقاء المثقفين المسلمين بالإمبراطورية غير المسلمة (Said, 1997: 144). ولأن الدين ليس «تصنيفاً أيديولوجياً متشيئاً»، فلا يجوز افتراض «صلة سببية آلية بين المعتقد والسلوك» (Gunning and Jackson, 2011: 383). ويتبنى التصور الجوهري هذا الفهم، ويقاوم الزوايا الأداتية باستكمال التحليل السياسي البنيوي بالدراسة التاريخية والأدلة الإثنوغرافية والانتباه إلى اللاهوت الإسلامي.
تُظهر دراسات الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط، بهذه المناهج المتنوعة، انخراط الفاعلين المسلمين العميق في مفهوم الحداثة (Lapidus, 1997; Khalid, 1998; Euben, 1999). فالحداثة نظام هرمي لمعارف التنوير وقيمه وثنائياته، يضع العقلاني في مواجهة الخرافي أو الروحي، وتعود أصوله إلى التوسع الأوروبي وتقنيات الطباعة والتحضر في أواخر القرن الثامن عشر. ووفق الفهم المناهض للاستعمار، الحداثة مفهوم منغرس في الاستعمارية (Quijano, 2007: 7)، وهي البنية الفوقية الفكرية للهيمنة الاستعمارية القائمة على «التحكم التملكي ونزع الملكية واختلاف القوة» (Anand, 2019: 130). ومع توسع الإمبراطوريات الأوروبية أصبحت الحداثة إطاراً لتصنيف المستعمَرين وترتيبهم، وخطاباً يطبع علاقات السيطرة ويمنحها الشرعية (Said, 1978). وهكذا تشابكت الحداثة والاستعمارية في بنية معرفية نافذة، وصارت الاستعمارية «الوجه المظلم للحداثة» في النظام العالمي المعاصر (Mignolo, 2011).
تفسر هذه البنية ظهور الحداثة الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر، حين سعى المثقفون المسلمون إلى «إعادة التفكير في المؤسسات والمعايير والخطاب الإسلامي أو تكييفها» في ضوء «التحديات والفرص التي طرحتها الحداثة» (محمد قاسم زمان، نقلاً عن Gunasti, 2024). ولا تزال الحداثة حاضرة في الإسلام المعاصر؛ إذ نُظّر إلى الأصولية الإسلامية، مثلاً، بوصفها تفاعلاً جدلياً معها: ردّ فعل جزئياً على العالم الحديث، لكنها في العمق «تعبير» عنه (إيرا لابيدوس، نقلاً عن Euben, 1999: 19). ويكشف عداء الأصوليين لتقاليد إسلامية «غير حديثة» كالتصوف عن هذا التفاعل (Euben, 1999: 17). وتبيّن هذه المجادلات داخل التقليد الخطابي الإسلامي الواسع إمكان وجود صيغ متعددة ومتنازع عليها للحداثة الإسلامية.
ومع ذلك توجد فروق مهمة بين حركات أواخر القرن العشرين الإسلامية في الشرق الأوسط ما بعد الاستعمار، وتلك الموجودة في تركستان الشرقية المحتلة حيث يستمر الاستعمار ويشتد في القرن الحادي والعشرين. فالحداثة في المجتمع الأويغوري ظاهرة مركبة ومتغيرة فُرضت من اتجاهين: أفقياً عبر التدخل الأوروبي في أوراسيا ونقل النماذج الاستشراقية بشأن تخلف المسلمين (Said, 1978)، وعمودياً عبر الحكم الصيني وترجمة الحداثة إلى خطاب حضاري مصيَّن (Tobin, 2021: 94). وهكذا نشأت الحركات الحداثية الإسلامية الأويغورية في ظروف مميزة، شكّلتها فرضيات معرفية متعددة الطبقات وتيارات فكرية وبنى سياسية متغيرة. وعلى الرغم من اختلاف السياقات، يساعد فهم بنيتي الاستعمارية والحداثة المستمد من دراسات الشرق الأوسط في صوغ الحركات الإسلامية الأويغورية نظرياً. لذلك لا أقدم
الحداثة نموذجاً لجأ إليه المسلمون بصورة موحدة أو آلية في الظروف الاستعمارية، بل خطاباً تبنته حركات بعينها، وكان بارزاً في «الصراعات النصية الداخلية» للمجتمعات المسلمة، وهي صراعات «منفصلة ومختلفة» باختلاف البيئات المجتمعية (Pick، نقلاً عن Euben, 1999: 72).
الفصل الثاني
التفسيرات الوظيفية للحركات الإسلامية
يناقش هذا الفصل نقدياً الفهم الوظيفي السائد للإسلام الأويغوري، حيث يوضع الدين بوصفه «ظاهرة تفاعلية» تجاه الحكم الاستعماري وعمليات نزع الملكية والقمع في المنطقة (Smith-Finley, 2013: 263). ولأن الإسلام لا ينبغي اختزاله في التعبير السياسي، يختم الفصل بإظهار جوانب من الاعتقاد الديني لم تنشئها الدولة ولا تحدها حدودها.
في التفسير الوظيفي تُقرأ الحركات الإسلامية الأويغورية في علاقتها بالبنى السياسية القمعية، وتُقدّم وسيطاً للمقاومة. وتمتد العلاقة المتنازَع عليها والمتغيرة بين المسلمين الأويغور والدولة الصينية إلى أواخر القرن الثامن عشر. ومنذئذ أصبح الإسلام موقعاً مركزياً للنزاع ودالاً مسيّساً على الاختلاف لدى الأويغور، مع توطد الحكم الاستعماري الاستيعابي والاستخراجي في القرن العشرين (Gladney, 1990; Millward, 2021). وهذا الاضطهاد
جزء، إلى حد ما، من استهداف أوسع للمسلمين في أنحاء الصين؛ إذ يُنظر إلى الهوي والأويغور بعين الشك بسبب ولائهم السابق لدولة أعلى، وهو بطبيعته مناقض لدعاوى «تفويض السماء» الشمولية في الصين الإمبراطورية أو إلحاد الحزب الشيوعي (Qian, 2024: 104; Harris and Isa, 2019: 79). لكن الهوي قريبون من أكثرية الهان في اللغة والذخيرة الثقافية، بينما تضيف الهوية الإثنية القومية الأويغورية طبقة أخرى إلى الاختلاف الديني. وقد جعل «الموقع الهامشي» للأويغور داخل الثقافة الصينية دينهم «عرضة لأن تراه الدولة منحرفاً» (Harris, 2020: 8).
في القرن العشرين ازدادت هذه الهوية «المشتبه فيها» تسييساً، بعدما حلت محل إمبراطورية تشينغ التعددية نسبياً دولة قومية متأثرة باطراد بالقومية الإثنية الصينية. ومنذ 2012، عبّرت جمهورية الصين الشعبية بقيادة شي جين بينغ بصورة متزايدة عن «رغبة خرائطية» في دولة موسومة بالهان تمتد إلى جبال تيان شان، وهو تخيل يناقض أغلبية الأويغور في الإقليم (Anand, 2019: 132). ويبين تصريح أدلى به مسؤول الشؤون الدينية الصيني محسومجان مامر عام 2017 عواقب هذه
التصورات: «حطّموا نسب [الأويغور]، حطّموا جذورهم، حطّموا روابطهم، حطّموا أصولهم. اقتلعوا جذور “ذوي الوجهين” بالكامل، استخرجوهم، وتعهدوا بمحاربتهم حتى النهاية» (Human Rights Watch, 2021).
يوضح وصف محسومجان للأويغور بأنهم «ذوو وجهين» هذا الانفصال: فهم صينيون سياسياً بوصفهم «مواطنين»، أما «جذورهم» التركية-الإسلامية فليست كذلك. ومن ثم وضعتهم «الحقيقة التاريخية والثقافية» لاختلافهم الديني واللغوي والثقافي في جغرافيا مشبوهة، داخلية وخارجية في آن (Anand, 2019: 132).
يتجذر خطاب الاستيعاب في بنية عنف الدولة في أنحاء المنطقة، من الاضطهاد الديني الواسع أثناء الثورة الثقافية بين 1966 و1976 إلى حملة «مكافحة الإرهاب» في التسعينيات التي أُعدم خلالها أكثر من 200 شخص بتهم «جرائم أمن الدولة» (Waite, 2006: 167; Clarke, 2010: 52). والعنف نتيجة جزئية لسعي جمهورية الصين الشعبية إلى إخضاع الدين لسياسة الحزب. ففي التسعينيات نفّذ الحزب حملة «الضرب بشدة» (Dillon, 2011)، وأصدر الوثيقة رقم 7 التي أمْننت «النشاط الديني غير القانوني» و«الانفصالية» باعتبارهما تهديدين وجوديين لـ«استقرار الجسد السياسي للأمة» (Anand, 2019: 132). ويكشف منع الأطفال الأويغور من دخول المساجد، مثلاً، نية «تقليص هويات الأويغور المميزة (والمعارضة)» باستهداف إعادة إنتاج الجماعة (انظر الشكل 4) (Bovingdon, 2001: 34). وتشير السياسات إلى ترابط تجريم الممارسة الإسلامية والأمننة وعنف الدولة في المنطقة منذ التسعينيات.
وقد سيّست الحملة الدين جزئياً؛ فصار الاضطهاد الديني والخطاب الإسلامي على نحو متزايد سبباً للمقاومة وتعبيراً عنها، والسياق العنيف والخلفية الفكرية لقتل «الأئمة الحكوميين». ففي 1988 تعبأ طلاب جامعة شينجيانغ بسبب «عدم احترام ثقافتهم ودينهم» (Bovingdon, 2001: 8). وفي 1997 تظاهر الأويغور في غولجا ضد معاقبة المشرَب، وهو تجمع تقليدي للرجال تُفرض فيه قواعد السلوك الإسلامي بصورة ضمنية. وسار المحتجون خلف راية الشهادة، إعلان الإيمان بوحدانية الله، وهتف بعضهم لإقامة خلافة إسلامية في تركستان الشرقية (Bovingdon, 2001: 8). فقابلت الشرطة المتظاهرين، ومعظمهم شباب، بعنف انتهى إلى مذبحة عمّقت اغتراب المجتمع الأويغوري عن السلطات (Smith-Finley, 2013: 260).
واصل عنف أورومتشي في يوليو/تموز 2009 نمط التصعيد؛ إذ قوبلت الاشتباكات الإثنية بعنف شرطي واسع واعتقالات جماعية استهدفت أحياء الأويغور (Clarke, 2010). وفي العقد السابق للحادثة لاحظ الباحثون «أسلمة لافتة» للمدينة: ارتدت نساء أكثر حجاباً عربياً، وأطال الرجال لحاهم، وتوقفت متاجر أويغورية عن بيع الخمر والسجائر، وصلّت حشود أكبر من الرجال خارج المساجد (Harris and Isa, 2019: 69). ورغم طول أمد «الأسلمة»، عدّت الدولة الإسلام «سبب» اضطرابات 2009، وحجبت بذلك الغضب من معالجة الحكومة للهجمات العنصرية التي نفذها حشد من الهان ضد عمال أويغور في غوانغدونغ، ومن التعبئة الأوسع لتقرير المصير (Uyghur Transnational Justice Database, 2024). وفي 2014 أطلقت جمهورية الصين الشعبية «حرب الشعب على الإرهاب» ضد تهديد أمني «أويغوري» مكوّن من «الانفصالية القومية والتطرف الديني والإرهاب العنيف» (انظر الشكل 5) (Human Rights Watch, 2021). وحُظرت المواد الدينية، ومُنعت اللحى والنقاب في الفضاء العام، وأُنشئ نظام للمراقبة الرقمية الجماعية (Xinjiang Documentation Project, 2014).
بهذه التدابير رسخت الدولة نفسها أكثر بوصفها «كياناً أحادياً» متطفلاً في حياة الأويغور (Harris, 2020: 4)، وأسهمت، خلافاً لمقصدها، في تماسك الإسلام باعتباره «أيديولوجيا مضادة طبيعية» (Ayubi، نقلاً عن Smith-Finley, 2013: 38). وكان الإحياء الديني لدى معظم الأويغور «سلمياً» و«مطهِّراً» (Smith-Finley, 2013: 236)، لكنه اتخذ لدى بعضهم صورة عنيفة مؤطَّرة ظاهرياً بمصطلحات دينية. ففي 2014 هاجم خمسة أويغور حشود محطة كونمينغ وقتلوا 31 شخصاً (Kaiman and Branigan, 2014). ولوحظ وجود جماعات أكثر تنظيماً في الخارج، مثل حركة تركستان الشرقية الإسلامية والحزب الإسلامي التركستاني، منذ مطلع الألفية؛ إلا أن هدفها المعلن بإطلاق «جهاد» ضد الدولة لم يتحقق (Greitens, Lee, and Yazici, 2020: 28). وعند وضع العنف في بنيته الاستعمارية يمكن تفسير الإسلام الأويغوري جزئياً كـ«وسيلة» لمعارضة القمع ونزع الملكية المنظم والإحباط الإثني السياسي (Smith-Finley, 2013: 260). وبذلك تُرى ممارسات قد لا تُفهم مقاومة، كالحجاب العربي أو إطلاق اللحية، رمزاً سياسياً لدى الدولة وغير الدولة معاً، وتُصنّف إلى جانب التعبئة العنيفة وغيرها من أشكال المقاومة.
ومع أن فهم البنية ضروري لتبيين هذه الديناميات المتنازع عليها، فإن التصورات التي تساوي الإسلام بالمقاومة لا تمنح فاعلية المسلمين الأويغور حيزاً كافياً، وتختزل رؤاهم للعالم ولاهوتهم في السياسة. فوصف التدين بأنه «رمزي» يعني أن الدين لا يهم إلا من حيث ما يمثله، كالرغبة في مزيد من تقرير المصير (Smith-Finley, 2013: 263). وقد عبّر مثقف أويغوري جرت مقابلته في مطلع الألفية عن ذلك بقوله:
«بالنسبة إلى كثير ممن يذهبون إلى المسجد الآن، الأمر مظهر سطحي… وليس التزاماً أو فهماً عميقاً. لكنه نوع من المقاومة بقدر ما يعبّر عن السخط على سياسة الحكومة وعلى الهان» (Smith-Finley, 2013: 259).
حين يصف المثقف إيمان كثير من الأويغور بأنه «سطحي»، فإنه يقدم تفسيراً وظيفياً تسنده ديناميات طبقية: فالتدين يُعرض بوصفه نتيجة جانبية لشروط سياسية أعمق يستطيع المتعلمون، والمقصود ضمنياً العلمانيون، إدراكها، فيما يعجز عنها المتدينون، والمقصود ضمنياً الأقل تعليماً. ومن ثم «يعبّر» الإسلام عن «المصدر الحقيقي للمشكلة»، المحدد كبنية اجتماعية سياسية واقتصادية، لكنه «يحجبه» في الوقت نفسه (Euben, 1999: 21). ومع أن القائل أويغوري، فإنه يعكس نزعة في الدراسات الغربية إلى «تركيب» الدين ضمن سلاسل سببية سياسية خطية؛ أي صوغ أنماط التنظيم والثقافة والمعرفة الإسلامية في إطار معرفي غربي ينطوي كثيراً على قوالب اختزالية عن المسلمين (Said, 1978).
ولتجنب هذا التسطيح ينبغي لنظرية المقاومة أن توازن تحليل الشروط البنيوية بالفاعلية والقصد (Johnson, 2003). تنتقد صبا محمود مفهوماً للفاعلية «لا يحدد الاستقلال السياسي والأخلاقي للذات إلا في مواجهة السلطة» (2001: 203). وفي دراستها حركة النساء في المساجد بالقاهرة في التسعينيات، تنتقد تصوير الحركات النسائية كأنها «في حقيقتها» تتعلق
بالنسوية الغربية. وتجد بدلاً من ذلك إسلاماً يتكون «أولاً وقبل كل شيء» من الممارسات المتجسدة للحياة التقية (2001: 204). تشكل سلطة الدولة الأبوية خلفية حياة النساء، لكنها ليست البنية التي يتجه دينهن ضدها أو يُتوسط بها. ومن ثم فإن نقدي لتصوير الإسلام الأويغوري كأنه «في الحقيقة» متعلق بتقرير المصير أو مناهضة الاستعمار لا ينفي أهمية هذه السياسة، بل يعارض ميل التحليل البنيوي إلى تبسيط الأنماط المتنوعة للممارسة الإسلامية.
يتيح التحول إلى الإثنوغرافيا فهماً «أكثف» للأبعاد الشخصية والروحية للإسلام (Euben, 1999: 154)، ويضع الدين باعتباره أكثر من وعاء تفاعلي. ونظراً لندرة الروايات الأولية، أعتمد على مقابلات مع شابات أويغوريات استقررن حديثاً في إسطنبول [3]. فالإسلام لدى بعض الأويغور، ولا سيما الجماعات المسلحة المنظمة، رمز صريح للمقاومة والتعبئة المضادة للدولة؛ لكن هؤلاء النساء قلن إنهن مارسن أفعالاً دينية مجرَّمة لا للإدلاء ببيان سياسي، بل لإيمانهن بأنها واجب مشروع إلهياً. تذكرت سوبينور أنها حضرت دروساً سرية للقرآن في جنوب تركستان الشرقية (Yasin, 2026: 51)، وكانت تخفي مصحفها تحت ملابسها عند عبور نقاط التفتيش، حتى «كان يطعن جانبيها ويسبب نزفها». وحفظت القرآن عبر هذا التعليم السري. أما نفيسة فتذكرت أن خالتها لفت القرآن ونصوصاً مقدسة أخرى بالبلاستيك وألقتها في نهر إيلي، لتجنب مصادرتها على يد شرطة الدولة، أملاً في أن يستعيدها أويغور آخرون وراء الحدود في كازاخستان الواقعة مع مجرى
النهر (Yasin, 2026: 52). وقد عُدّ حفظ النصوص الدينية، سواء القرآن أم مناقب الأسلاف، فعلاً أخروياً يقرّه نظام أخلاقي أعلى من الدولة الصينية. وبلسان هؤلاء النساء كان التعلم الذاتي وتنمية المعرفة الدينية وحفظ النصوص المقدسة واجبات دينية أولية.
وتؤكد أهمية هذه الواجبات للنساء في الشتات أن النص الإسلامي كان الإطار المتعالي الذي روين من خلاله تجربة المنفى. فقد وصفت نفيسة نفسها بأنها «في حال هجرة»، في إشارة إلى انتقال النبي محمد وأصحابه من مكة إلى المدينة (Yasin, 2026: 74). ويعقد الشاعر الأويغوري عبد الشكور محمد المقارنة ذاتها، فيصف هروبه من الصين بأنه «طُرد من [بلده] مثل النبي» (ترجمة منور عبد الله في Elkun, 2023). وهكذا تعمل الهجرة «منطقاً تفسيرياً رئيسياً» لفهم المنفى بوصفه أمراً قرآنياً (Yasin, 2026: 61)، وتبيّن كيف شكلت الإحالات النصية حياة اللاجئين خارج الوصول المباشر للدولة الصينية. ويظهر الإسلام بذلك رؤية شاملة وقادرة على الصمود، تتجاوز كونه وسيطاً للسخط أو المقاومة.
وضع هذا الفصل الإسلام الأويغوري ضمن تاريخ طويل من القمع الديني ونزع الملكية واضطهاد الأويغور وسائر الشعوب التركية في تركستان الشرقية. وقيّمت الرأي القائل إن الإسلام الأويغوري خدم أساساً أداة لمقاومة هذه البنى. غير أنني انتقدت التفسير الوظيفي لما يقدمه من وصف ضحل للفاعلية المسلمة، لا ينتبه إلى المصطلحات التي يفهم بها كثير من الأويغور إسلامهم ويعيشونه. وتهدف مقاربتي التالية إلى مقاومة هذا الميل المسطِّح، بمواصلة التحول إلى المواد الإثنوغرافية والتاريخية لتقديم رواية جوهرية عن الحركات الإسلامية الأويغورية في القرن ونصف القرن الماضيين.
الفصل الثالث
التفسيرات الجوهرية للحركات الإسلامية
اكتسبت حركات الحداثة الإسلامية الأويغورية أهمية خلال القرن ونصف القرن الماضيين، وشملت جهوداً لإعادة تعريف المجتمع الديني والممارسة الإسلامية «وفقاً للمتطلبات المتصورة للحداثة» (Waite, 2007: 167). وكان من أهمها حركة الجديديين في أواخر القرن التاسع عشر والحركة السُّنَّتية في أواخر القرن العشرين [4]. قاد مثقفون الحركة الجديدة ضمن دفعة نخبوية لتحويل التدين الأويغوري إلى «إسلام» ينسجم مع تيارات الجامعة التركية والجامعة الإسلامية والإصلاح الإسلامي الآتية من وسط آسيا وغربها. وكان الجديديون محدثين بالمعنى المباشر، سعوا إلى تبني الخطاب الغربي والفكر القومي والتقنيات وتوظيفها لمصلحتهم.
واندمجت الحركة السُّنَّتية أيضاً في الإحياء الإسلامي العالمي الذي نشأ في الشرق الأوسط في أواخر السبعينيات والثمانينيات (Harris, 2020: 3). والسُّنَّتيون، أي «أتباع السُّنَّة» بمعنى مجموع حياة النبي وتعاليمه، وُجدوا بالتوازي مع حركات سلفية محلية أخرى دعت إلى العودة إلى أصول الإسلام. وعلى خلاف الحركة الجديدية، انتشر الإسلام السُّنَّتي بصورة غير متجانسة وجزئية، وامتزج كثيراً بممارسات تقليدية متأثرة بالتصوف.
ومع عدائهم في أوجه كثيرة لمؤثرات غربية أو صينية رأوها غير إسلامية، أرى أن السُّنَّتيين كانوا حداثيين إسلاميين ضمن تاريخ أطول من حركات الإصلاح؛ فاتبعوا الجديديين في تبني معايير الحداثة لإصلاح المجتمع الديني الأويغوري. وترجمت الحركتان الحداثة إلى سجل إسلامي عبر أفكار العقيدة النصية الصحيحة والممارسة المعقلنة في مساعيهما لتعريف الإسلام الأويغوري وتحديد حدوده. وتؤكد هذه العلاقة المتعددة الجوانب بالحداثة، في مجتمعات تواجه قمعاً متصاعداً، أبعاداً لا تفسَّر حصراً بالبنى الاستعمارية. فرغم وقوع الحركات داخل الاستعمار الصيني، كانت أكثر من ظاهرة تفاعلية؛ إذ مثّلت صراعات داخلية حول الاعتقاد الصحيح والممارسة والحداثة الإسلامية.
الجديديون: الحداثة الإسلامية والصراع على العقيدة الدينية الصحيحة
يمكن فهم الحركة الجديدية في أواخر القرن التاسع عشر بوصفها أول محاولة لمصلحين أويغور لـ«تحديث» الإسلام الأويغوري. كانت جزءاً من حركة «حداثة إسلامية» عالمية حفّزها «انهيار الإمبراطوريات الإسلامية» و«التدخل الاستعماري» الأوروبي (Lapidus, 1997: 444). وظهرت بوادر الإصلاح في الشرق الأوسط لدى محمد عبده وجمال الدين الأفغاني اللذين سعيا إلى صياغة إسلام متوافق مع «معايير العقل والتقدم» (Aydin, 2017: 7). وتعددت ضغوط التحديث في تركستان الشرقية: فرضتها تشينغ من الشرق، والأوروبيون والروس والبريطانيون من الغرب في سياق «اللعبة الكبرى» الجيوسياسية على آسيا الوسطى (Brophy, 2016: 70). وإذا كان هؤلاء نظروا إلى معظم المجتمعات المسلمة وفق نماذج استشراقية (Said, 1978)، فإن ما ميّز الجديديين الأويغور عن نظرائهم في الشرق الأوسط هو الضغط العمودي من تشينغ بشأن «التخلف» الحضاري لأطرافها التركية المسلمة (Brophy, 2016: 72). ومن هذا اللقاء المركب مع الإمبراطوريات غير المسلمة خضعت النخب المسلمة لمعرفيات إمبراطورية متنوعة، ضمن دينامية عولمت الحداثة «بطريق الامتداد الاستعماري» (Falk، نقلاً عن Euben, 1999: 22).
صار الجديديون رواد حركة التحديث الإسلامية هذه؛ ففحصوا المجتمع الأويغوري بمعايير عالمية لـ«الممارسة الحديثة» (Waite, 2006: 251)، وسعوا إلى «عقلنة» الإسلام في «مجموعة معتقدات منهجية ومكتفية بذاتها» (Eickelman، نقلاً عن Khalid, 1998: 11). وغدت العقيدة الصحيحة المصطلح اللاهوتي للعقلنة، حيث يُرسى الإسلام
في النص، القرآن والحديث والسنة، ابتغاء وحي الله وحياة النبي وأقواله والجيل الأول من المسلمين، «منقّى» من التفسير الفقهي اللاحق والتصوف المحلي. ونقلت الأولوية للنص المكتوب الإسلام من مكانه المندمج في بنى المجتمع، في تحول معرفي أعاد بناءه «تقليداً دينياً عالمياً وموحّداً» (Aydin, 2017: 3) قادراً على إدامة «جماعة مسلمة عالمية متخيَّلة ومنزوعة الإقليم» (Casanova, 2012).
قيس التحديث مقابل «التقليدية» الدينية، أي عبادة قائمة على «انتقال يتصف بالتكرار بمعناه الأبدي» (Feuchtwang، نقلاً عن Waite, 2007: 256). فقبل جهود الجديديين كان الإسلام الأويغوري «منفصلاً» عن «كوكبة الظواهر التقنية والثقافية والفكرية التي نسميها الحداثة» (Thum, 2014: 152). وقد وُصف بأنه هوية دينية ثقافية و«تقليد مقدس مستقل» (Brophy, 2016: 27)، تديمه العبادة المرتبطة بالأرض وشبكات الأضرحة الصوفية وثقافة المناقب (Thum, 2014: 152) وطقوس دورة الحياة التقويمية (انظر الشكل 6) (Ildikó Bellér-Hann، نقلاً عن Harris, 2020: 6). ورآها الجديديون تقاليد محلية وغير صحيحة. فوجه المصلح التتري نوشيرفان ياشيف (1885-1918) نقداً «لاذعاً» لضريح أويغوري موقر وزواره «الخرافيين» (Brophy, 2016: 87). وانتقد المصلح العثماني أحمد كمال أهل ضريح آفاق خواجة لما رآه ممارسة «غير عقلانية» تتمثل في «فرك الوجوه بقرن الخروف وذيل البقرة» (Thum, 2014: 223). وكان تحقير الزيارات باعتبارها «تقليدية» جزءاً من إصلاح أوسع لتغيير طبيعة الإسلام الأويغوري (Brophy, 2016: 87)، وعدّ ضرورياً لعقلنته في صورة منسجمة مع الفكر الإسلامي العابر للإمبراطوريات.
وأدت الابتكارات «الحديثة» دوراً جوهرياً في ذم الممارسات التقليدية؛ فأتاحت الدوريات المطبوعة «إعادة تعريف طبيعة الإنتاج الثقافي»، وتحدت «تفوق الانتقال الديني عبر التفاعل الطقسي وجهاً لوجه» (Waite, 2006: 251). وكانت النصوص الجدلية المتداولة آلية الجديديين لنشر المعرفة الإصلاحية وإظهار النص في الطباعة (Waite, 2006: 116). وبدأت التقنيات دمقرطة المعرفة الدينية المكتوبة؛ وكان ذلك أساساً لتحدي أنماط الانتقال التقليدي القائم على التلاوة الشفوية وسلطة الملا والشيخ المحليين (Thum, 2014: 113).
وكانت المدارس مواقع أخرى للصراع، وتُصوّر وسيلة «لعلاج أمراض» المجتمع غير المستقيم (Khalid, 1998: 4). وصار أصول جديد («مدارس الطريقة الجديدة») البديل «الحديث» للكتّاب الذي علّم تلاوة القرآن والعقيدة والشعر الصوفي بوصفه «حامل الإسلام» الراسخ في المجتمع (Thum, 2014: 172). ودرّست مدارس الطريقة الجديدة منهجاً إصلاحياً وفصلت المواد «الدنيوية» عن «الدين» (Thum, 2014: 5)، فأسهمت في «نزع القداسة» عن فهم الدين «المندمج في الممارسة الاجتماعية اليومية» (Eickelman، نقلاً عن Khalid, 1998: 11). وسعت إلى «تنقية» الخصوصيات الإسلامية المحلية (Brophy, 2016: 96) وإعادة التوجه نحو العالم الإسلامي الأوسع؛ فسُمّيت مدرسة في كاشغر باسم السلطان العثماني ودرّست أناشيد عسكرية عثمانية (Brophy, 2016: 128). وجذبت الإمبراطورية العثمانية في الغرب كثيراً من الجديديين بسبب قرب الدوائر اللغوية والثقافية. فدُوّنت الحداثة جغرافياً وزمنياً، وأصبحت إسطنبول مثال المجتمع الإسلامي المتقدم، مسندة بالسلطة الدينية للخليفة العثماني والسلطة الفكرية للمجال العام العثماني الصاعد (Brophy, 2016: 97).
لا يمكن تصور توجه الجديديين إلى «حداثات إسلامية» بديلة مستقلاً بالكامل عن المعرفيات الاستعمارية (Khalid, 1998; Aydin, 2017)، لأن فئة الحداثة ذاتها مشبعة بالاستعمارية. فقد دعت مجلة صراط مستقيم الجديدية، مثلاً، إلى «إصلاح» «تخلف» المجتمع والتكيف مع «مقتضيات الحياة الحديثة» (Brophy, 2016: 109). وباستعمال هذه الثنائيات المعيارية أعاد الجديديون إنتاج خطاب تشينغ الحضاري بشأن ضرورة علاج محلية المجتمع الريفي (Thum, 2014: 113). وعمل المثقفون الأويغور ومسؤولو تشينغ، جزئياً، ضمن معرفيات استعمارية مشتركة حملتها التدخلات الإمبراطورية إلى أوراسيا، وحملها بصورة غير مباشرة النفوذ الأوروبي في تشينغ شبه المستعمرة أثناء «قرن الإذلال» (Brophy, 2016: 7).
لكن اعتماد الجديديين الكثيف على المعرفيات الإمبراطورية لم يكن مجرد إعادة إنتاج لحكم تشينغ أو أوروبا؛ فمن التبسيط تصنيف الفكر الإسلامي إما ردّاً خارجياً على الإمبراطورية وإما استسلاماً كاملاً لها. وفي عالم مشبع بهذه المعرفيات بل مؤسس عليها، يصبح البحث عن حركات خارج إطار المعرفة الاستعمارية «عبثاً» (Khalid, 1998: 9). وكان المسلمون الإصلاحيون إلى حد بعيد استجابة أصلية للقاء الاستعماري؛ استخدموا المعرفيات ونشروها لأهدافهم الخاصة. واستحوذ الجديديون، كالمصلحين عالمياً، خطاب الحداثة من إمبراطوريات معادية «ليصنعوا نسختهم الخاصة منها» (Aydin, 2017: 43) ويتحدوا التصورات المترسبة عن «الشرق» (Asad, 1993). وانتقد المصلحون هرمية إخضاع المسلمين (Said, 1997: 9; Aydin, 2017: 40). ولم «يتأورب» مصلحو الشرق الأوسط عمياناً (Khalid, 1998: 43)، بل عرضوا الإسلام مستنيراً وعقلانياً (Casanova, 2012)، وقادراً على تكوين «قوة مستقلة في السياسة الدولية» (Aydin, 2017: 3).
وهكذا كان تبني المعرفيات الإمبراطورية لدى الجديديين في عهد تشينغ مدفوعاً بأجندة «تقدم» مجتمعاتهم عبر دمج المعرفة الاستعمارية في «الإنتاج الثقافي المحلي» (Khalid, 1998: 14). فاستحوذوا فئة الحداثة لإصلاح المجتمع الديني؛ ولم تكن الحركة جهداً موجهاً ضد البنى الاستعمارية، بل صراعاً داخلياً لمواءمة الإسلام مع مفاهيم متبناة عن العقيدة الصحيحة.
الإحياء الإسلامي: نصوصية السُّنَّتيين والتوفيق الصوفي
حتى في ظروف تركستان الشرقية المتزايدة قمعاً في القرن الحادي والعشرين، أرى أن الحركة السُّنَّتية كانت داخلية التوجه ولا تفسر بالكامل ببنى الدولة. وما يوضح حدود حساب البنية-رد الفعل أن الإحياء المعاصر ظهر أول مرة في العقود التالية للثورة الثقافية، حين زاد التسامح الديني وأُعيد فتح المساجد التي أقرتها الدولة (Harris, 2020: 8). ودفعه استيراد مواد إسلامية وزيادة الحج المرخص وتعليم طلاب أويغور اللاهوت والعربية في الشرق الأوسط (Smith-Finley, 2013: 240). وإلى جانب التوجه العقدي الجديد، اتسم الإحياء بصورة جديدة من تهذيب الذات الأخلاقي وتنشيط بنى الأسرة (Lapidus, 1997; Harris, 2020).
ورغم التشابه، تفاعلت الحركتان مع معايير مختلفة للحداثة. فبنهاية القرن العشرين حملت الدولة نماذج حضارية مصيَّنة على نحو أشد؛ وصار «الحديث» يعني الاندماج في اللغة والثقافة الصينيتين. وشكل ذلك «استشراقاً داخلياً»، أي هرمية متخيلة للحداثة بين أقليات الصين (Schein، نقلاً عن Anand, 2019: 133). وأعادت الخطابات الرسمية إنتاجها بتصوير الأويغور شعباً مفرط التدين يحتاج إلى تحديث «حضارة» متفوقة، وإلى تصحيح عادات لباس النساء «المتخلفة» مثلاً (انظر الشكل 7) (Tobin, 2021: 94). ولم يعارض السُّنَّتيون، شأن الجديديين، هذه المعرفيات بالضرورة، بل استحوذوا عناصر منها انتقائياً لإصلاح ما عدّوه غير مستقيم في المجتمع الديني.
بعد أن درس أبليمت داملا في الشرق الأوسط في السبعينيات، صار رائداً للسُّنَّتيين (Waite, 2007: 169)، وسعى إلى مواءمة الإسلام الأويغوري مع الممارسة السعودية الحنبلية التي عدّها صادرة عن «العقيدة الصحيحة» (Waite, 2007: 170). وطالب برنامجه بـ«تنقية» الإسلام من تراكم عادات محلية، مثل صلوات النذر للمتوفى في المقابر (Harris, 2020: 8)، أو دفع المال للملاوة لقراءة القرآن (Waite, 2006: 169). وانتقد هرمية العمر في المجتمع لمخالفتها المساواة الإسلامية، ودعا المسلمين إلى «مفهوم أكثر تجريداً للجماعة والسلطة الأخلاقية» (Lapidus, 1997: 448).
ومع أن للسُّنَّتيين غريزة تحديث مماثلة لتنقية الإسلام من التقليدية، كان خطابهم أقل تقدمية من الجديديين. فقد كانوا نصوصيين سعوا إلى «إعادة» المجتمع إلى «الالتزام بالمبادئ الأساسية» (Lapidus, 1997: 444)، وتبنوا مبدأ الأصوليين بأن تُنظم الحياة وفق القرآن والسنة (Harris, 2020: 11)، كما يتضح من دعاة الدعوة الذين بشّروا في الجنوب بحياة تحاكي النبي عن كثب (Harris, 2020: 9). وتشير النصوصية الصارمة إلى خطاب وبرنامج تحريمي مشتركين مع منظّرين «أصوليين» كسيد قطب (Euben, 1999: 154)، لم يكن «ناقداً بحد ذاته» بل عارض حداثة متجذرة في تنوير أوروبي برجوازي (Euben, 1999: 155). وهكذا تموضع السُّنَّتيون داخل التقليد السلفي الأصولي، المرتبط بحركة محمد بن عبد الوهاب المناهضة لعبادة الأصنام في القرن الثامن عشر (Robinson, 2010: 17).
ولا ينفي الميل إلى «العودة» للنص أن البرنامج كان تحديثياً بمعنى أوسع؛ فالقرآن والسنة إطاران متعاليان نُقدت عبرهما تراكمات العادات المحلية والتوفيقية وصيغت برامج الإصلاح. وبالنص قدّم أبليمت برنامجه الحديث المميز للالتزام الفردي والتنظيم الاجتماعي المتساوي و«طريقة جديدة لتخيل العالم» (Waite, 2006: 251; Khalid, 1998: 4). وكان الهدف دمقرطة المعرفة، كما في مدرسته سنة 1988 لتعليم الشباب العربية وتمكينهم من التعامل المباشر مع النص (Waite, 2006: 259). وبحلول 1990 ساعد السُّنَّتيون في إنشاء أكثر من 938 مدرسة قرآنية علّمت عشرات آلاف الطلاب (Irwin, 2021). ويبيّن عبد الرحيم، وهو أب من شمال كاشغر، نجاح الحركة في قريته:
«عندما جئت أول مرة، لم أكن أعرف عن الدين كثيراً؛ كنت أتلو بضع آيات فقط. أما الآن فبدأت أقرأ هذه الكتب وأعرف أكثر بكثير. كان الملاوة وغيرهم يتلون القرآن لكنهم لا يفهمونه حقاً. أما اليوم فهناك في كاشغر عدد أكبر بكثير من أهل العلم» (Waite, 2007: 261).
وهكذا كانت أولوية النص المتأثرة بالأصولية وسيلة لنقد الممارسات المحلية. وسعت الحركة، مثل الجديدية، إلى لا مركزية المعرفة لإضعاف العلماء التقليديين وهيمنة اللاهوت المنقول شفوياً. وشبّه محاضر أويغوري في كاشغر بينهما:
«[السُّنَّتيون] مثل الجديديين. يُسمّى أمثال أبليمت داملا وهابيين، لكنهم مجرد مسلمين صالحين يؤمنون بالإصلاح والتقدم» (Waite, 2007: 172).
يشير المحاضر إلى التشابه بين الجديديين وتشديد أبليمت على «توافق الإسلام مع التعليم والتطور الحديث عموماً» (Waite, 2007: 259)، وهو ما انعكس في موعظته سنة 1997:
«حرم الحكام الظالمون في الماضي الشعب الأويغوري من التعليم والعلم والتقدم الاقتصادي والتقني، وأبقوه في الجهل والخرافة. والطريق الوحيد للخروج من الوضع القاتم الراهن هو التعليم؛ وينبغي لكل شخص أن يبذل جهده لتعزيزه» (Waite, 2007: 170).
لا يلمّح أبليمت هنا إلى بنية الحكم إلا بعبارة «وضعهم القاتم». وهو يضع نفسه بوضوح حداثياً بتعزيز التعليم بلغة «العلم» و«التقنية»، في تعبير عن تحديث المجتمع بتعليم معقلن قائم على النص.
ومع جهود القادة لم ينتشر التحديث السُّنَّتي خطياً؛ إذ تدل الإثنوغرافيا بين الجماعات المهمشة على أن صعود «ممارسات الورع» لم يكن «اتجاهاً متماسكاً» ولا «حركة منظمة» (Harris, 2020: 10). ففي حي عشوائي بأطراف أورومتشي نظمت الممارسات الإحيائية جماعة دينية سرية من مهاجرين متدينين من الريف. همشتهم مدينة سريعة التحديث؛ وكانت بيوتهم في ظل أبراج شُيدت بسرعة ومعرضة دوماً للهدم بعد جدولة «تنظيف حضري» للحي عقب انتفاضة 2009 (انظر الشكل 8) (Byler, 2022: 191). وتحت تهديد قريب بنزع الملكية و«سياسات دينية غامضة وعقابية غالباً» (Harris, 2020: 20)، شارك كثيرون في «تداول خفي» للمحتوى الإحيائي على الإنترنت (Byler, 2022: 115). واجتمعوا في مساجد شبه سرية «لمناقشة تعاليم غير مرخصة
[للإسلام] الورع» (Byler, 2022: 192)، يقودها أحياناً «أئمة برّيون» غير رسميين (Byler, 2022: 210). وبنهاية العقد الثاني «امتزجت الجماعة بالممارسات الإصلاحية»، وشكل حياتها خُلق إسلامي امتد إلى الامتناع الواسع عن الخمر والتبغ (Byler, 2022: 193).
توفر الهشاشة الاجتماعية سياقاً لإحياء الإيمان المجتمعي، لكن المنظور البنيوي لا يُظهر تعقيد امتزاج الإحياء بنماذج إسلامية تقليدية متأثرة بالتصوف. عرّف كثيرون أنفسهم سُنَّتيين ومسافرين؛ والأخير لفظ للمتصوف الجوال المتجذر في تقاليد صوفية «مثقَّفة» لفهم الهجرة والإزاحة النفسية والمادية (Byler, 2022: 192). ويُتصوَّر المسافر في عبور لا زمني نحو مستقر روحه، ضمن فهم أويغوري فريد يرى الانتماء في «موضع الموت» بقدر موضع الميلاد (Thum, 2014: 16). وفي جماعات ذات «إدراك غير ثابت للتعليم الديني الأساسي»، كانت المناقشات «حماسية» و«منزوعة السياق» (Waite, 2006: 63)، من دون أن تضعف الإحالات الصوفية توجّه الإحياء. فقد خلط رجل بين الهويتين و«استخدم تعريفه كمسافر لتأكيد شخصيته الدينية كمسلم [سُنَّتي] إصلاحي» (Byler, 2022: 193). وجاور تعريف المسافر الورع السُّنَّتي كوسيلتين لفهم نزع الملكية وتنظيم خبرتها (Byler, 2022: 199)، وهما إطاران متكاملان لا متعارضان. لذلك تبنت جماعات أقل تعليماً نماذج إصلاحية لكنها عملت عملياً بين معرفيات حديثة وغير حديثة.
ولدى جماعة نسائية شديدة التدين في ريف الجنوب في العقد الثاني، ظهرت ثنائية مماثلة. نظمت النساء التدين حول ورع سُنَّتي، مع مواصلة ممارسات متجسدة متأثرة بالتصوف (Harris, 2020). ومارسن تقليدياً الذكر، تلاوة الدعاء وتكراره، يجمعه مفهوم العشق الصوفي، أي الحب الإلهي. وشكلت اجتماعاتهن النسائية حصراً «اجتماعية نسائية» مستقلة ومنظمة بهرمية للمعرفة الإسلامية لدى النساء (Harris, 2020: 27)، عكست من وجه حركة نساء المساجد في القاهرة وتحديها الضمني لـ«الطابع الذكوري تاريخياً» في «معايير التربية الإسلامية المؤسسية» (Mahmood, 2001: 203, 209). وبدلاً من تثقيف الذات بالنص المعقلن، مارسن إسلاماً يربي الروح كي «تستطلع بالصوت» طريقاً تشعر به النفس المطلقة نحو الله (Harris, 2020: 32). وسعين بمعنى ما إلى «تجاوز» الحداثة عبر نماذج مضادة للثقافة في تعريف الذات (Euben, 1999: 55, 167).
وفي ذروة الإحياء، دفعت مواعظ السُّنَّتيين النساء إلى إدخال الورع الإحيائي في صور إسلامهن المجتمعية الصوفية. وتفاعلن مع التداول العالمي للفكر الإحيائي، بتعلم أسلوب القراء السعوديين مثلاً (Harris, 2020: 2). ويمكن تفسير التوجه نحو الممارسة «الحديثة» جزئياً بأنه جواب لخطاب الدولة الذي وصف الممارسات بـ«الخرافية» و«المتخلفة»: لا «ردة فعل» دينية آلية، بل استجابة لتغير اجتماعي تكشف «فاعلية النساء الاجتماعية والسياسية الكبيرة» (Harris, 2020: 28). ومع ذلك لم يلتزمن نصوصية أبليمت الصارمة، بل أدخلن الإحياء في الذكر وغيره، وطمسن التعريفات الصارمة للحداثة الإسلامية (Harris, 2020: 32). وكان الإحياء واحداً من نماذج كثيرة استعن بها جزئياً لبناء جماعة التلاوة.
وخلاصة الأمر أن دقة صور تبني الإحياء السُّنَّتي في قطاعات واسعة تكشف عمقاً لا يظهره تحليل مستوى الدولة. وقد بيّن التحليل الجوهري أن الحركات الإصلاحية والإحيائية، داخل بنى علمانية واستعمارية مغرِّبة، لم تتجه ضد الدولة؛ بل خاضت تفاعلاً داخلياً دينامياً مع الحداثة بسجل إسلامي محدد. وكانت الحداثة في الاستعمار أرضاً من أراضي كثيرة صارع عليها المسلمون وأعادوا تفسير إيمانهم. ويظهر التفاعل المتنوع والتوفيقي طرائق جديدة منح بها الدين حياة الهشاشة شكلاً.
الخاتمة
مع أن الدولة الصينية شكّلت الحركات الإسلامية الأويغورية، فإنها كانت في معظمها ذاتية التكوين، عرّفتها صراعات محلية داخل الجماعة وعلى الذات الروحية بشأن الممارسة الصحيحة والسلطة الدينية. عرضت أولاً التصور الوظيفي الذي يفسر التدين رداً على بنى القمع، متجذراً في تسييس طويل للإسلام كعلامة اختلاف إثني قومي «منحرف». ثم قدمت تفسيراً جوهرياً بيّن أن الحركات عملت باستقلال نسبي وعمق لا يختزل بنيوياً. وتحت الضغط الاستعماري نقل المصلحون خطاب الحداثة الإسلامية العالمي إلى الإسلام الأويغوري. وحافظ الورع السُّنَّتي، الممتزج بالممارسات الصوفية المتينة، على جماعات مهمشة وسط اضطهاد مطلع القرن الحادي والعشرين.
يمكن لهذه المقاربة أن تسهم، خارج الدراسات الأويغورية، في التحليل النقدي لسياسات الدول وحملات مكافحة الإرهاب تجاه المسلمين عالمياً (Hussin, 2018)، ومنها علاقة القمع والدين والمقاومة المعقدة لدى الفلسطينيين (Khalidi, 1997). وينبغي للتحليل الجوهري أن يراعي «القوة الكامنة» للدين باعتباره «رؤية أخلاقية سياسية للعالم الحديث» (Euben, 1999: 154)، من دون فصله تحليلياً عن مسائل القومية أو التعبئة المناهضة للاستعمار. ووضع فاعلية الجماعة الدينية في مركز بنى الدولة الحديثة مهم، ولا سيما مع محاولة جمهورية الصين الشعبية تصدير نموذج الأمننة العنيفة والاحتجاز الجماعي، وعرض «شينجيانغ» «تجربة ناجحة» «يمكن تقديمها إلى بلدان» لديها أقليات مسلمة «إشكالية» (الدبلوماسي الصيني جيانغ دوان، نقلاً عن Criner and Szadziewski, 2026).
وقد يطوّر التفسير النقاش بشأن تصور الاضطهاد في تركستان الشرقية. فإذا فُهم الدين وظيفياً ضمن دورة القمع-التدين، بدت سياسات الدولة عديمة الجدوى، لأن القمع قد يثير إحياء تفاعلياً خلاف المقصود. أما تفسيري فيتناول الإسلام نظام معنى متجذراً شكله تفاعل متعدد مع معرفيات الحداثة. ويمكن القول إن الهوية الأويغورية المعاصرة، جماعة إثنية قومية محددة بأرض وتاريخ مشتركين، صاغها المصلحون من «مواد خام» أو «تقاليد» حفظ الهوية الدينية الإقليمية (Thum, 2014: 12).
ولأهمية الجماعة الدينية المشتركة في الهوية، يصبح استهداف انتقال الدين مسألة وجودية لإعادة إنتاج المجتمع. وهذا مراد الدولة على الأرجح؛ فإغلاق المساجد وحظر التعليم وفصل الأطفال عن الآباء «المتدينين» (UN News, 2023) هجوم منهجي على أسس الهوية الجماعية والدعاوى القومية. لذلك يسيء الإعلام والدراسات الغربية تمثيل البعد الوجودي حين يعرضان الحملة اضطهاداً «دينياً» محدوداً منفصلاً عن السياسة (Human Rights Watch, 2005). ويلزم تفسير منتبه إلى العمق والأبعاد المتنوعة لفهم النية الاستيعابية أو الإبادية. ويمكن للبحث المستقبلي تناول «قانون الوحدة الإثنية» لعام 2026 والمؤسسة القانونية لهذه السياسات من المنطقة إلى البلاد، بما يزيد تآكل حقوق الأقليات واللغة (Criner and Szadziewski, 2026).
منهجياً، اعتمد التحليل على الإثنوغرافيا والمواد التاريخية الثانوية للنظر «خارج» الدولة. لكن الأمننة منذ 2017، ومنع الباحثين ومضايقة الأكاديميين في الخارج (Wang and Ahmed, 2025)، حصرت المعرفة بالمجتمع داخل تركستان الشرقية في الدعاية الرسمية وشهادات اللاجئين (Steenberg and Seher, 2023). وسيزداد تحدي تمثيل أفكار شعب تحت الاحتلال ومعتقداته وخبراته، مع تمكين التكنولوجيا دولاً كثيرة، منها الصين، من أمننة الأقليات ومراقبتها. ويقدم مشروع الإثنوغرافيا النائية لشينجيانغ فضاءً للتفكير في قيود البحث الميداني، داعياً إلى «مزيج منهجي» من الخطاب الرقمي وشبكات الشتات (Remote XUAR, 2023). ولذلك ستتجه محاولات تمثيل ذوات المسلمين بصورة أفضل إلى الشتات ومناهج أكثر تنوعاً (انظر Yasin, 2026).
بيّنت الورقة دينامية حركات التحديث، التي تعايشت أحياناً وتنازعت أحياناً أخرى مع تقاليد الزيارة والعبادة الصوفية، بعمق يتجاوز المنهج البنيوي. وكان القصد الضمني تمثيل الحياة تحت الاستعمار على نحو أفضل و«إعادة بعض حق التأليف» إلى الجماعات الدينية (Byler, 2022: 219). لكن ذلك محدود: فالحركات المعاصرة استُهدفت بعنف ورُوقبت وحوصرت، واعتُقل قادتها تعسفياً (Byler, 2022: 218). وقد تتيح جهود التوثيق والذاكرة البشرية دراسات مستقبلية عن الإسلام تحت اضطهاد واسع. ويبقى السؤال ثقيلاً على المجتمع: هل يمكن استعادة تقاليده الدينية المميزة وأبعاد إسلامه الحديثة المتعددة من مشروع القمع وربما الاستئصال؟
الهوامش
[1] أعتمد «منطقة الأويغور» و«تركستان الشرقية» بالتبادل، انسجاماً مع مفردات كثير من الأويغور. وشينجيانغ اسم صيني يعني «التخوم الجديدة»، وترى «غالبية» الأويغور أنه يحمل العنف الاستعماري (Bellér-Hann et al., 2009: 1). وتجنّب «شينجيانغ» —وكذلك «شيتسانغ» للتبت— التزام بمنهجيات مناهضة الاستعمار.
[2] سُنَّت هي صيغة نطق الأويغور للسُّنَّة، أي أسلوب الحياة المقرر للمسلمين بناءً على تعاليم النبي محمد وتفسير القرآن. وتعني سُنَّتشي «أتباع السنة».
[3] المقابلات من أطروحة بكالوريوس في جامعة هارفارد، أجرت فيها الكاتبة قرابة خمسين مقابلة تاريخ شفوي بالأويغورية (Yasin, 2026: 5)، وهي مهمة لندرة الشهادات المباشرة.
[4] أستخدم «الأويغور» عند مناقشة أواخر القرن التاسع عشر إقراراً بوجود «جماعة متخيَّلة» دينية مميزة قبل شيوع الاسم الإثني في مطلع القرن العشرين (Thum, 2014: 15). والمقصود هوية ثقافية ودينية، لا إسقاط جماعة قومية متجانسة أو ثابتة عبر التاريخ على الماضي (Anderson, 2006).
Anand, Dibyesh (2019) 'Colonization with Chinese characteristics: politics of (in)security in Xinjiang and Tibet.' Central Asian Survey, 38(1), pp. 129–147.
Anderson, Benedict (2006) Imagined Communities: Reflections on the Origins and Spread of Nationalism. London: Verso.
Asad, Talal (1986) The Idea of an Anthropology of Islam. Washington DC: Georgetown University Press.
Asad, Talal (1993) Genealogies of Religion: Discipline and Reasons of Power in Christianity and Islam. 1st ed. Baltimore, Md: Johns Hopkins University Press.
Aydin, Cemil (2017) The Idea of the Muslim World: A Global Intellectual History. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Bellér-Hann, Ildikó, Cristina Cesáro, Rachel Harris, and Joanne Smith Finley (2009) Situating the Uyghurs Between China and Central Asia. Aldershot: Ashgate.
Bovingdon, Gardner (2001) 'The history of the history of Xinjiang.' Twentieth-Century China, 26(2), pp. 95–139.
Brophy, David (2016) Uyghur Nation: Reform and Revolution on the Russia–China Frontier. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Byler, Darren (2022) Terror Capitalism: Uyghur Dispossession and Masculinity in a Chinese City. Durham: Duke University Press.
Casanova, José (2012) ‘Rethinking public religions.’ In Timothy Samuel Shah, Alfred Stepan, and Monica Duffy Toft (eds.) Rethinking Religion and World Affairs. Oxford: Oxford University Press.
Clarke, Michael (2010) 'Widening the net: China's anti-terror laws and human rights in the Xinjiang Uyghur Autonomous Region.' The International Journal of Human Rights, 14(4), pp. 542–558.
Criner, Adaire and Henryk Szadziewski (2026) ‘The Global Implications of China’s Ethnic Unity Law.’ Uyghur Human Rights Project. Available at: https://uhrp.org/insights/the-global-implications-of-chinas-ethnic-unity-law/ (Accessed: 18 April 2026).
Dillon, Michael (2011) ‘Death on the Silk Route: Violence in Xinjiang.’ BBC World News, 3 August. Available at: https://www.bbc.co.uk/news/world-asia-pacific-14384605 (Accessed: 24 April 2026).
Elkun, Aziz (2023) Uyghur Poetry. Everyman’s Library Pocket Poetry. London: Everyman.
Embassy of the People's Republic of China in the United Kingdom (2024) 'China's ethnic groups stick together like pomegranate seeds.' Available at: https://gb.china-embassy.gov.cn/eng/zgyw/202402/t20240226_11250279.htm (Accessed: 28 March 2026).
Euben, Roxanne (1999) Enemy in the Mirror: Islamic Fundamentalism and the Limits of Modern Rationalism. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Finley, Joanne Smith (2013) The Art of Symbolic Resistance: Uyghur Identities and Uyghur–Han Relations in Contemporary Xinjiang. Leiden: Brill.
Finley, Joanne Smith (2021) 'Why scholars and activists increasingly fear a Uyghur genocide in Xinjiang.' Journal of Genocide Research, 23(3), pp. 348–370.
Fuller, Graham and Jonathan Lipman (2004) 'Islam in Xinjiang.' In Frederick Starr(ed.) China's Muslim Borderland. Armonk, NY: M.E. Sharpe, pp. 321–345.
Gladney, Dru (1990) 'The ethnogenesis of the Uighur.' Central Asian Survey, 9(1), pp. 1–28.
Greitens, Sheena, Myunghee Lee, and Emir Yazici (2020) 'Counterterrorism and preventive repression: China's changing strategy in Xinjiang.' International Security, 44(3), pp. 9–47.
Gunasti, Susan (2024) 'Modern Islam and reform in the late Ottoman Empire.' In Caroline Tee, Fabio Vicini and Philip Dorroll (eds.) The Oxford Handbook of Religion in Turkey. Oxford: Oxford University Press.
Gunning, Jeroen and Richard Jackson (2011) ‘What's so ‘religious’ about ‘religious terrorism’?’ Critical Studies on Terrorism, 4(3), pp. 369–388.
Harris, Rachel (2020) Soundscapes of Uyghur Islam. Bloomington: Indiana University Press.
Harris, Rachel (2022) ‘Uyghur Heritage under China’s “Antireligious Extremism” Campaigns.’ In James Cuno and Thomas G. Weiss (eds.) Cultural Heritage and Mass Atrocities. Los Angeles: Getty Publications.
Harris, Rachel and Aziz Isa (2019) 'Islam by smartphone: reading the Uyghur Islamic revival on WeChat.' Central Asian Survey, 38(1), pp. 61–80.
Harris, Rachel and Sophia Woodman (2020) ‘Surveillance and repression of Muslim minorities: Xinjiang and Beyond’, Society and Space, 7 December. Available at: https://www.societyandspace.org/forums/surveillance-and-repression-of-muslim-minorities (Accessed: 26 April 2026).
Hayes, Anna and Kearrin Sims (2022) 'Violent development in Xinjiang Uyghur Autonomous Region.' In Kearrin Sims, Nicola Banks, Susan Engel, and Paul Hodge (eds.) The Routledge Handbook of Global Development. London: Routledge.
Human Rights Watch (2005) ‘Devastating Blows: Religious Repression of Uighurs in Xinjiang’. Available at: https://www.hrw.org/report/2005/04/11/devastating-blows/religious-repression-uighurs-xinjiang (Accessed: 19 April 2026).
Human Rights Watch (2021) ‘"Break Their Lineage, Break Their Roots": China's Crimes Against Humanity Targeting Uyghurs and Other Turkic Muslims.’ Available at: https://www.hrw.org/report/2021/04/19/break-their-lineage-break-their-roots/chinas-crimes-against-humanity-targeting (Accessed: 28 March 2026).
Hussin, Iza (2018) ‘The new global politics of religion: Religious harmony, public order, and securitisation in the post-colony.’ Journal of Religious and Political Practice, 4. Available at: https://www.repository.cam.ac.uk/items/fcf1162a-f52f-4bf1-9d8d-f36e8d1e3206 (Accessed: 20 February 2026).
Irwin, Peter (2021) ‘Islam Dispossessed: China’s Persecution of Uyghur Imams and Religious Figures’, Uyghur Human Rights Project. Available at: https://uhrp.org/report/islam-dispossessed-chinas-persecution-of-uyghur-imams-and-religious-figures/s (Accessed: 19 April 2026).
Johnson, Walter (2003) 'On agency.' Journal of Social History, 37(1), pp. 113–124.
Kaiman, Jonathan and Tania Branigan (2014) 'Kunming knife attack: Xinjiang separatists blamed for "Chinese 9/11".' The Guardian, 2 March. Available at: https://www.theguardian.com/world/2014/mar/02/kunming-knife-attack-muslim-separatists-xinjiang-china (Accessed: 28 March 2026).
Kamalov, Ablet (2021) 'Uyghur historiography.' In Oxford Research Encyclopedia of Asian History. Oxford: Oxford University Press. Available at: https://doi.org/10.1093/acrefore/9780190277727.013.637 (Accessed: 28 March 2026).
Khalidi, Rashid (1997) Palestinian Identity: The Construction of Modern Consciousness. New York: Columbia University Press.
Killing, Alison (2026) ‘How China is breaking apart a people and its culture’. Financial Times, 29 May. Available at: https://www.ft.com/content/119d8c3a-e10f-4bf7-a198-90507293054b?syn-25a6b1a6=1/
Khalid, Adeeb (1998) The Politics of Muslim Cultural Reform: Jadidism in Central Asia. Berkeley: University of California Press.
Lapidus, Ira (1997) 'Islamic revival and modernity: the contemporary movements and the historical paradigms.' Journal of the Economic and Social History of the Orient, 40(4), pp. 444–460.
London Uyghur Tribunal (2021) ‘Judgment’. Available at: https://uyghurtribunal.com/ (Accessed: 28 March 2026).
McDonell, Stephen (2026) ‘Why is China set to approve a new law promoting 'ethnic unity'?’ BBC World News, 10 March. Available at: https://www.bbc.co.uk/news/articles/c6271gxpdkzo (Accessed: 18 June 2026).
Mahmood, Saba (2001) 'Feminist theory, embodiment, and the docile agent: some reflections on the Egyptian Islamic revival.' Cultural Anthropology, 16(2), pp. 202–236.
Mahmut, Dilmurat, Abdulmuqtedir Udun, Seam Remz, and Susan Palmer (2021) 'Making sense of the Uyghur genocide through religious theodicy: voices of Uyghurs in Canada and Türkiye.' Journal of the Council for Research on Religion, 3(1), pp. 45–74.
Mignolo, Walter (2011) The Darker Side of Western Modernity: Global Futures, Decolonial Options. Durham: Duke University Press.
Millward, James (2021) Eurasian Crossroads: A History of Xinjiang. New York, NY: Columbia University Press.
Qian, Juan (2024) 'Securitising history: reimagining and reshaping the "imagined community" in China's new era.' Made in China Journal. Available at: https://madeinchinajournal.com/2024/07/11/securitising-history-reimagining-and-reshaping-the-imagined-community-in-chinas-new-era/ (Accessed: 28 March 2026).
Quijano, Aníbal (2007) 'Coloniality and modernity/rationality.' Cultural Studies, 21(2–3), pp. 168–178.
Qutb, Sayyid (1951) 'The America I have seen: in the scale of human values.' Available at: http://www.pdx.edu/sociologyofislam (Accessed: 28 March 2026).
Roberts, Sean (2020) The War on the Uyghurs: China's Campaign Against Xinjiang's Muslims. Manchester: Manchester University Press.
Robinson, Francis (2010) ‘Introduction’, in Francis Robinson (ed.), The New Cambridge History of Islam: Volume 5: The Islamic World in the Age of Western Dominance. Cambridge: Cambridge University Press, pp. 1–31.
Rudelson, Justin and William Jankowiak (2004) 'Acculturation and resistance: Xinjiang identities in flux.' In Frederick Starr (ed.) China's Muslim Borderland. Armonk, NY: M.E. Sharpe, pp. 299–317.
Said, Edward (1978) Orientalism. New York: Vintage Books.
Said, Edward (1997) Covering Islam: How the Media and the Experts Determine How We See the Rest of the World. London: Vintage Books.
Steenberg, Rune and Tenha Seher (2023) ‘Personalised Propaganda: The Politics and Economy of Young, Pro-government Minority Vloggers from the XUAR’ in Halina Zawiszovà and Martin Lavička (eds.) Voiced and Voiceless in Asia. Olomouc: Univerzita Palackého v Olomouci.
Szadzewski, Henryk (2018) Inside Xinjiang: Space, Place and Power in China's Muslim Far North-west. Chicago: University of Chicago Press.
Thum, Rian (2014) The Sacred Routes of Uyghur History. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Thum, Rian (2019) 'What is Islamic history?' History and Theory, 57, pp. 7–19.
Tobin, David (2021) 'Genocidal processes: social death in Xinjiang.' Ethnic and Racial Studies, 45(16), pp. 93–121.
UK Parliament (2022) ‘Uyghur Tribunal Judgment’. House of Commons Debate, 20 January. Available at: https://hansard.parliament.uk/Commons/2022-01-20/debates/22242466-901D-4CCA-995F-552292371002/UyghurTribunalJudgment (Accessed: 28 March 2026).
UN News (2023) ‘Rights experts warn against forced separation of Uyghur children in China.’ Global perspective Human stories, 26 September. Available at: https://news.un.org/en/story/2023/09/1141502 (Accessed: 23 April 2026).
Uyghur Transnational Justice Database (2024) ’15 years since the Ürümchi massacre’, 5 July. Available at: https://www.utjd.org/news/15-years-since-the-urumchi-massacre/ (Accessed: 24 April 2026).
Waite, Edmund (2006) 'The impact of the state on Islam amongst the Uyghurs: religious knowledge and authority in the Kashgar oasis.' Central Asian Survey, 25(3), pp. 251–261.
Waite, Edmund (2007) 'The emergence of Muslim reformism in contemporary Xinjiang: implications for the Uyghurs' positioning between a Central Asian and Chinese context.' In Ildikó Bellér-Hann, Cristina Cesáro, Joanne Smith Finley (eds.) Situating the Uyghurs Between China and Central Asia. London: Routledge, pp. 165–178.
Wang, Maya and Yasmine Ahmed (2025) ‘Chinese Government Threatens Academic Freedom in the UK.’ Human Rights Watch. Available at: https://www.hrw.org/news/2025/11/04/chinese-government-threatens-academic-freedom-in-the-uk (Accessed: 23 April 2026).
Worden, Andréa J., Nuzigum Setiwaldi, Elise Anderson, Henryk Szadziewski, Louisa Greve, and Ben Carrdus (2022) ‘Forced Marriage of Uyghur Women: State Policies for Inter-ethnic Marriage in East Turkistan’. Uyghur Human Rights Project. Available at: https://uhrp.org/report/forced-marriage-of-uyghur-women/ (Accessed: 28 March 2026).
Xinjiang Documentation Project (2014) ‘Identifying Religious Extremism’. Available at: https://xinjiang.sppga.ubc.ca/chinese-sources/online-sources/identifying-religious-extremism/ (Accessed: 28 March 2026).
Xinjiang Uyghur Autonomous Region Remote Ethnography Project (2023) ‘Methodology’. Available at: https://www.remote-xuar.com/methodology (Accessed: 8 April 2026).
Yasin, Kawsar (2026) Shelving East Turkistan: Gendered Archives of Resistance, Exile, and Possibility in Uyghur Istanbul. Unpublished undergraduate thesis, Harvard University, Cambridge, MA.