ازدواجية المعايير في السياسة الصينية بين فلسطين وتركستان الشرقية

بقلم: عبدالوارث عبدالخالق خوتن

مقدمة

في السنوات الأخيرة، كثفت الصين حضورها السياسي والإعلامي في القضية الفلسطينية، وقدّمت نفسها أمام العالم العربي والإسلامي بوصفها قوة دولية تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، وتدافع عن وقف الحرب وحماية المدنيين وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة. ومع تصاعد الحرب في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبح الخطاب الصيني أكثر وضوحًا في انتقاد السياسات الغربية، ولا سيما الموقف الأمريكي، واتهمت بكين القوى الغربية بازدواجية المعايير والانتقائية في تطبيق القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.

ولا شك أن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني موقف مشروع وضروري، وأن الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون تستوجب موقفًا دوليًا جادًا بعيدًا عن الحسابات السياسية. غير أن الإشكالية لا تتعلق بحقوق الفلسطينيين ولا بعدالة قضيتهم، وإنما بالطريقة التي توظف بها الصين هذه القضية في بناء صورتها السياسية والأخلاقية، خصوصًا في العالم العربي والإسلامي.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه بكين بصورة مكثفة عن حقوق الفلسطينيين، تواجه منذ سنوات اتهامات دولية خطيرة بشأن سياساتها تجاه شعب الأويغور وغيرهم من المسلمين في تركستان الشرقية. والتضييق على الممارسات الدينية، والقيود على اللغة والثقافة والهوية، وفصل الأسر، والمراقبة المكثفة وغيرها من الانتهاكات. وقد خلص تقييم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الصادر عام 2022 إلى أن حجم الاحتجاز التعسفي والتمييزي والانتهاكات المرتبطة به قد يشكل جرائم دولية، ولا سيما جرائم ضد الإنسانية.

ومن هنا تبرز مفارقة سياسية تستحق الدراسة، هل تحوّل الحضور الصيني المكثف في القضية الفلسطينية إلى أداة لتحسين صورة بكين في العالم الإسلامي، وصناعة خطاب أخلاقي مضاد للغرب، وفي الوقت نفسه إضعاف الاهتمام العربي والإسلامي بما يحدث في تركستان الشرقية؟

إن هذه المقالة لا تنطلق من وضع القضية الفلسطينية في مواجهة قضية تركستان الشرقية، ولا من التقليل من معاناة الشعب الفلسطيني، بل على العكس؛ تنطلق من ضرورة الدفاع عن حقوق الإنسان بمعيار واحد. فحقوق الفلسطينيين لا ينبغي أن تتحول إلى أداة تستخدمها قوة دولية لتبييض صورتها الحقوقية أو لصرف الأنظار عن سياساتها الداخلية تجاه شعب الأويغور.

فلسطين بوصفها مدخلًا إلى الرأي العام العربي والإسلامي

تدرك الصين المكانة المركزية التي تحتلها فلسطين في الوعي العربي والإسلامي. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية بالنسبة إلى الشعوب العربية والإسلامية، وإنما قضية شديدة الحساسية ترتبط بالهوية والعدالة والحقوق التاريخية والإنسانية.

ولهذا يمنح تبني خطاب مؤيد لفلسطين بكين رصيدًا سياسيًا وإعلاميًا مهمًا داخل المجتمعات العربية والإسلامية. فعندما تتحدث الصين عن حماية المدنيين الفلسطينيين، وترفض التهجير، وتنتقد ازدواجية المعايير الغربية، فإنها لا تخاطب إسرائيل أو الولايات المتحدة وحدهما، وإنما تخاطب بصورة غير مباشرة مئات الملايين من العرب والمسلمين الذين يشعر قسم كبير منهم بالغضب تجاه السياسات الغربية في فلسطين.

ومن خلال هذا الخطاب تستطيع الصين تقديم نفسها بوصفها قوة دولية مختلفة عن الغرب: دولة لا تحمل إرثًا استعماريًا غربيًا في المنطقة، وتدافع عن سيادة الدول، وترفض الهيمنة، وتقف مع الشعوب التي ترى أنها تعرضت للظلم. وهذه الصورة تمنح بكين قوة ناعمة مهمة وتساعدها على توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول فلسطين من قضية عادلة تدافع عنها الصين إلى أداة لصناعة شرعية أخلاقية تحجب الأسئلة المتعلقة بسجل الصين نفسها في حقوق الإنسان.

صناعة صورة الصين الصديقة للمسلمين

يؤدي الخطاب الصيني المؤيد لفلسطين وظيفة أخرى شديدة الأهمية، تتمثل في المساهمة في بناء صورة الصين باعتبارها دولة صديقة للعالم الإسلامي. هذه الصورة ذات قيمة استراتيجية كبيرة لبكين؛ لأن أحد أكثر الملفات التي يمكن أن تضر بعلاقاتها مع المجتمعات الإسلامية هو ملف تركستان الشرقية. فالأويغور شعب مسلم، والانتقادات الموجهة إلى الحكومة الصينية لا تتعلق فقط بإجراءات أمنية، وإنما تشمل قضايا تمس مباشرة الحرية الدينية والهوية الثقافية والمؤسسات الدينية والتعليم والأسرة واللغة.

وبالتالي، فإن انتشار قضية الأويغور على نطاق واسع داخل المجتمعات العربية والإسلامية يمكن أن يخلق مشكلة حقيقية للصورة التي تريد الصين بناءها لنفسها.

هنا تكتسب القضية الفلسطينية أهمية تتجاوز حدود الموقف الدبلوماسي التقليدي. فكلما ظهرت الصين في الإعلام العربي بوصفها مدافعًا عن الفلسطينيين، أصبح من الأسهل ترسيخ صورة الصين المنصفة والصين الصديقة للعرب والمسلمين. وتكمن المفارقة في أن هذه الصورة يمكن أن تتعايش في الوعي العام مع معرفة محدودة للغاية بما يحدث للأويغور في تركستان الشرقية.

فلسطين في الواجهة وتركستان الشرقية خارج المشهد

إن إحدى النتائج المهمة لهذا الخطاب هي الاختلال الكبير في مستوى المعرفة والاهتمام بين القضيتين داخل المجال الإعلامي العربي والإسلامي. فالمواقف الصينية بشأن فلسطين تحظى بتغطية واسعة، وتنتشر تصريحات المسؤولين الصينيين التي تتحدث عن العدالة وحماية المدنيين ورفض التهجير وحق تقرير المصير. وفي المقابل، يبقى النقاش حول سياسات الصين في تركستان الشرقية محدودًا نسبيًا، كما أن الرواية الصينية الرسمية بشأن الأويغور تجد طريقها إلى قطاعات من الإعلام والرأي العام تحت عناوين مكافحة الإرهاب والتطرف وتحقيق التنمية والاستقرار.

وهكذا تستطيع الصين أن تظهر في المخيال السياسي لدى بعض شرائح الرأي العام باعتبارها قوة تقف إلى جانب قضايا المسلمين، بينما تبقى قضية شعب مسلم يعيش تحت سلطتها بعيدة عن مستوى الاهتمام نفسه. وهذا هو الجانب الأكثر خطورة في المسألة؛ لأن الدفاع الصيني عن فلسطين يمكن أن يؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وظيفة سياسية تساعد بكين على تحييد الانتقادات المتعلقة بتركستان الشرقية داخل البيئة العربية والإسلامية.

التناقض بين خطاب فلسطين وممارسة تركستان الشرقية

تزداد هذه المفارقة وضوحًا عند مقارنة المفردات التي تستخدمها الصين في الملفين. في فلسطين تتحدث بكين عن حقوق الشعوب، وحماية المدنيين، والحفاظ على الهوية، ورفض التهجير، واحترام القانون الدولي والعدالة وضرورة عدم استخدام القوة ضد السكان المدنيين. أما عندما يتعلق الأمر بتركستان الشرقية، فتتغير المفردات بصورة جذرية، ويصبح الحديث عن السيادة والأمن القومي ومكافحة الإرهاب والتطرف والانفصال ورفض التدخل في الشؤون الداخلية. المشكلة هنا ليست في حق الصين، كأي دولة، في حماية أمنها، وإنما في انتقائية المعيار. فإذا كانت حقوق الإنسان ذات طبيعة عالمية عندما تستخدمها بكين لمحاسبة الآخرين، فلماذا تتحول إلى شؤون داخلية عندما تصبح السياسات الصينية نفسها محل مساءلة؟ وإذا كان الحفاظ على الهوية والثقافة والدين حقًا مشروعًا للفلسطينيين، فلا يمكن منطقيًا رفض المبدأ ذاته عندما يطالب الأويغور بحماية هويتهم الدينية والثقافية واللغوية.

المصالح الاقتصادية والسياسية وتعزيز الصمت

لا تعمل القوة الناعمة الصينية منفردة. فهي تتكامل مع شبكة ضخمة من العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية التي بنتها بكين مع الدول العربية والإسلامية. أصبحت الصين شريكًا اقتصاديًا بالغ الأهمية للعديد من هذه الدول، وترتبط معها بمشاريع في الطاقة والتجارة والبنية التحتية والاستثمار ومبادرة الحزام والطريق. وكلما ارتفع مستوى الاعتماد الاقتصادي المتبادل، ازدادت حساسية الحكومات تجاه الملفات التي تعتبرها بكين خطوطًا حمراء. وفي مقدمة هذه الملفات قضية تركستان الشرقية. وعندما تجتمع المصالح الاقتصادية مع الصورة الإيجابية التي يصنعها الموقف الصيني من فلسطين، تصبح البيئة السياسية أكثر ملاءمة لبكين: شراكات اقتصادية قوية من جهة، وخطاب مؤيد لقضية مركزية في الوجدان الإسلامي من جهة ثانية، مقابل تراجع نسبي في مستوى الضغط السياسي والإعلامي بشأن الأويغور.

لا ينبغي السماح باستخدام فلسطين لتبييض أي سجل حقوقي

ينبغي التأكيد مرة أخرى أن القضية هنا ليست التشكيك في عدالة القضية الفلسطينية ولا الاعتراض على دعم الصين لحقوق الفلسطينيين. بل إن أي موقف دولي حقيقي يساهم في حماية المدنيين وإنهاء الانتهاكات وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يستحق التقدير. لكن فلسطين يجب ألا تتحول إلى شهادة براءة حقوقية لأي دولة. فالدولة التي تدافع عن الفلسطينيين لا تصبح بمجرد ذلك دولة ملتزمة بحقوق الإنسان في جميع سياساتها، تمامًا كما أن الدولة الغربية التي تتحدث عن حقوق الأويغور لا تصبح تلقائيًا بريئة من ازدواجية المعايير تجاه الفلسطينيين. المعيار الصحيح ليس هوية الدولة التي تتحدث عن حقوق الإنسان، وإنما مدى التزامها بالمبادئ نفسها عندما تكون مصالحها هي المعرضة للاختبار. ومن هنا فإن الموقف الأخلاقي المتماسك يرفض قتل المدني الفلسطيني وتهجيره وانتهاك حقوقه، وفي الوقت ذاته يرفض الاحتجاز التعسفي والاضطهاد الديني والثقافي وانتهاك حقوق الأويغور. لا ينبغي التضحية بفلسطين من أجل تركستان الشرقية، ولا التضحية بتركستان الشرقية من أجل فلسطين.

خاتمة

تكشف دراسة الخطاب الصيني تجاه فلسطين عن جانب أعمق من المنافسة الدولية المعاصرة. فالصين لا تنافس الولايات المتحدة والغرب على الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ الجيوسياسي فحسب، وإنما تنافسهما كذلك على الشرعية الأخلاقية أمام شعوب العالم العربي والإسلامي.

وتمنحها فلسطين فرصة استثنائية لخوض هذه المنافسة. فمن خلال الوقوف إلى جانب المطالب الفلسطينية وانتقاد المواقف الغربية، تستطيع بكين تعزيز صورتها بوصفها قوة أكثر عدلًا وإنصافًا واحترامًا لحقوق الشعوب. لكن هذه الصورة تصبح موضع تساؤل عندما توضع إلى جانب الإنتقادات الدولية المتعلقة بسياساتها في تركستان الشرقية.

ومن هنا يمكن القول إن الخطر لا يكمن في دعم الصين لفلسطين، وإنما في تحويل فلسطين إلى ستار سياسي وأخلاقي يساعد على تلميع صورة الصين وإبعاد الأنظار عن قضية تركستان الشرقية.

فإذا كانت بكين صادقة في رفض ازدواجية المعايير، فعليها أن تقبل أن المعيار الذي تطالب بتطبيقه في غزة يمكن أن يُستخدم أيضًا لتقييم سياساتها في تركستان الشرقية. وإذا كانت ترى أن حماية الهوية والكرامة والحقوق الدينية والثقافية للفلسطينيين مبادئ لا يجوز التنازل عنها، فإن صدقية خطابها تقتضي ألا تصبح هذه المبادئ غير مشروعة عندما يتعلق الأمر بالأويغور.

إن فلسطين ليست غطاءً ينبغي أن يُسمح لأي قوة دولية بالاختباء خلفه، ومعاناة الفلسطينيين ليست مادةً لتبييض السجلات الحقوقية أو إدارة الصراعات الجيوسياسية. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل تدعم الصين فلسطين؟ بل: لماذا تستخدم الصين لغة العدالة والحقوق بقوة في فلسطين، بينما ترفض إخضاع سياساتها في تركستان الشرقية للمعايير الحقوقية نفسها؟

وعند الإجابة عن هذا السؤال تظهر المفارقة الأساسية: قد تسعى الصين إلى كسب قلوب الشعوب العربية والإسلامية من بوابة فلسطين، لكن الاختبار الحقيقي لصدقية هذا الخطاب يبقى في تركستان الشرقية.