تتتبّع الوثائق الرسمية سلسلة من السياسات تبدأ بتعليم اللغة في مرحلة ما قبل المدرسة والمدارس الداخلية، وتمتد إلى الفصول الدراسية في داخل الصين، والتعليم المهني، ونقل العمالة.
الكاتبة: آسية أويغور
تاريخ النشر: 3 سبتمبر 2026
عندما سافرت غولياشار جوما، البالغة من العمر سبع سنوات، مع والدها أكثر من عشر ساعات من قريتهما الجبلية إلى مقاطعة أقتو، أدهشتها أشجار البلدة. وقدّم تقرير نشرته سلطات التعليم في منطقة الأويغور عام 2019 رحلتها بوصفها بداية تحول شخصي: فقد غادرت «مدرسة على ظهور الخيل» في منطقة نائية، والتحقت بمدرسة حديثة في مركز المقاطعة.
وسجّل التقرير الرسمي نفسه أيضاً ما تطلبه هذا التحول. فمنذ عام 2014، دمجت مقاطعة أقتو أو أغلقت 63 موقعاً تعليمياً موزعاً على أربع بلدات جبلية نائية. وعند صدور التقرير، كان 3,181 طفلاً من أسر زراعية ورعوية يقيمون في المدرسة المركزية.
تصف بكين هذه السياسات بأنها مساواة تعليمية وتخفيف للفقر وتحديث. غير أن قراءة وثائقها مجتمعة تكشف مشروعاً أوسع بكثير. فمن تعليم اللغة قبل المدرسة إلى المدارس الداخلية، ومن الفصول الدراسية في داخل الصين إلى التعليم المهني ونقل العمالة، لم يُصمَّم التعليم لتدريس الأطفال فقط، بل لإعادة تنظيم علاقتهم بالأسرة واللغة والمجتمع والعمل المستقبلي.
ولم تظهر هذه البنية فجأة مع القمع الجماعي الذي اشتد بعد عام 2017، بل جرى بناؤها على مدى سنوات في وثائق السياسات العامة وخطط التنفيذ وتقارير وسائل الإعلام الرسمية التي احتفت بالنتائج.
حقوق على الورق واتجاه مختلف في السياسات
تبدأ الرواية الرسمية للصين بالحكم الذاتي. إذ يقول كتاب أبيض لمجلس الدولة بشأن الحكم الذاتي القومي الإقليمي إن للمناطق ذاتية الحكم حق استخدام اللغات المحلية وتطويرها، وإدارة التعليم، وصون الثقافة والدين. لكن الوثيقة نفسها تعرّف الحكم الذاتي بأنه يعمل تحت القيادة الموحدة للدولة المركزية. كما تظل اللوائح المحلية وأي خروج عن السياسة الوطنية خاضعة لموافقة السلطات الأعلى.
وذهب كتاب أبيض رسمي عن تنمية منطقة الأويغور وتقدمها إلى أبعد من ذلك، إذ زعم أن الشعوب التي تمتلك لغات مكتوبة تتلقى التعليم بتلك اللغات، وأن الكتب المدرسية وامتحانات القبول الجامعي متاحة باللغة الأويغورية وعدة لغات أخرى.
لكن الكتاب الأبيض اعتبر أيضاً معرفة اللغة الصينية مشكلة سياسية وتنموية. وقال إن نحو 70 في المئة من أكثر من 10 ملايين شخص تصنفهم السلطات رسمياً ضمن «الأقليات القومية» في المنطقة لم يتقنوا الصينية أو لم يفهموها إطلاقاً. وقدّم ذلك بوصفه أمراً يضر بالشعوب المعنية وبتنمية المنطقة معاً، ثم أشاد بتوسيع ما يسمى «التعليم ثنائي اللغة» منذ عام 2004.
وأصبح هذا التناقض — بين الاعتراف الرسمي بحقوق اللغة الأم وبين سياسة تتعامل مع استمرار هيمنة اللغات الأصلية بوصفه عائقاً — أساس المرحلة التالية.
التعليم من أجل «الاستقرار طويل الأمد»
جعلت خطة التعليم الإقليمية للأعوام 2010–2020 الدور السياسي للتعليم واضحاً. فقد أعلنت أن التعليم أساس لتحقيق الاستقرار والتنمية في المنطقة، وإثراء السكان، وتحصين الحدود، وتحقيق «السلام والاستقرار على المدى الطويل».
وحددت الخطة أهدافاً قابلة للقياس في مجال اللغة. فبحلول عام 2012، كان مقرراً أن يتلقى أكثر من 85 في المئة من أطفال ما قبل المدرسة، الذين تصنفهم الحكومة ضمن الأقليات القومية، عامين من التعليم ثنائي اللغة قبل المدرسة. وبحلول عام 2015، كان من المفترض أن يشمل التعليم ثنائي اللغة نحو 75 في المئة من طلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية في تلك المجتمعات، وأن تصل النسبة إلى 90 في المئة بحلول عام 2020. كما كان متوقعاً من خريجي المدارس الثانوية إتقان اللغة الوطنية المشتركة، أي الصينية المندرينية.
ونصت الخطة رسمياً على ضرورة احترام التعليم باللغات المحلية. لكن اتجاهها التنفيذي وضع المندرينية في قلب مسار التقدم. فالأطفال الذين التحقوا برياض الأطفال ثنائية اللغة كان عليهم مواصلة هذا التعليم منذ السنة الأولى في المدرسة الابتدائية. وكان مقرراً تقديم مزيد من المواد والساعات الدراسية بالمندرينية. وباستثناء تخصصات اللغة والأدب، شُجعت الجامعات على تدريس المواد التخصصية بالمندرينية، فيما كان على طلاب التعليم المهني الانتقال مباشرة إلى التعليم بهذه اللغة من دون سنة تحضيرية.

ولم تكن سياسة اللغة منفصلة عن التعليم السياسي. فقد ألزمت الخطة الحزب بالحفاظ على قيادته للمدارس، وأمرت بإدخال مبادئ سياسته القومية إلى الكتب المدرسية والفصول والعقول. وعلّمت عقيدة «الثلاثة التي لا تنفصل» أن الأغلبية الصينية والشعوب المصنفة رسمياً أقليات لا يمكن فصل بعضها عن بعض. وطالبت «الهويات الأربع» بالتماهي مع الوطن، والأمة الصينية، والثقافة الصينية، والطريق الاشتراكي ذي الخصائص الصينية. أما «الرؤى الخمس» الماركسية، فوفرت الإطار الذي يقره الحزب لفهم الدولة والقومية والدين والتاريخ والثقافة.
كما أمرت الخطة بالتعليم الإلحادي وتنمية الوعي بالدولة والقانون والأمة الصينية. وفي هذا السياق، لم يكن التعليم الإلحادي يعني مجرد منهج علماني؛ بل وضع فهم الأطفال للدين داخل برنامج أيديولوجي تحدده دولة الحزب وتشرف عليه.
وتُظهر وثيقة تنفيذ منفصلة أن الأمر لم يكن مجرد خطاب تعليمي. فقد تقاسمت المسؤوليات إدارات التنظيم والدعاية التابعة للحزب، وسلطات التعليم، والجبهة المتحدة، وهيئات الشؤون الدينية والقومية، وأجهزة الأمن العام، والجيش، ودور النشر، ورابطة الشبيبة الشيوعية. وهكذا بُنيت سياسة قُدمت في صورة تعليم باعتبارها مشروعاً تشارك فيه أجهزة الدولة كلها.
انتزاع الأطفال من بيئتهم اللغوية
دعت خطة التعليم إلى إقامة مدارس داخلية مركزية في المناطق الزراعية والرعوية، ودمج المدارس، وإنشاء فصول مختلطة، وتوسيع برامج الإقامة الداخلية داخل المنطقة وفي داخل الصين. وحددت هدفاً يتمثل في تسجيل 10,000 طالب سنوياً في فصول المدارس الثانوية في داخل الصين، و10,000 آخرين في فصول المرحلة الإعدادية داخل المنطقة بحلول عام 2014. كما أطلقت فصولاً مهنية في داخل الصين ووسّعت قبول الطلاب من الولايات الجنوبية الأربع، حيث يشكل الأويغور نسبة كبيرة من السكان.
وتورد مقالة نشرتها صحيفة «تشاينا ديلي» عام 2016 أرقاماً كاشفة على نحو لافت. فبحلول عام 2015، كانت فصول المدارس الثانوية في داخل الصين قد قبلت 80,200 طالب، وبلغ القبول السنوي 9,880 طالباً. وكان نحو 34,000 طالب يدرسون في 93 مدرسة موزعة على 45 مدينة. أما برنامج المدارس الإعدادية الداخلية في المنطقة، فكان قد قبل أكثر من 71,800 من خريجي المدارس الابتدائية؛ وكان 29,200 منهم مسجلين آنذاك في 30 مدرسة موزعة على 16 مدينة.
وقدمت المقالة هذه البرامج بوصفها أدوات للوحدة القومية والاستقرار الاجتماعي والأمن طويل الأمد. وكان المطلوب أن يصبح الطلاب «خلفاء موثوقين» للنظام الاشتراكي، وأن يشجعوا مجتمعاتهم بعد عودتهم إلى مناطقهم على التماهي بصورة أوثق مع الدولة الصينية.
وتكتسب تفاصيل الإدارة أهمية خاصة. فقد كانت فصول المرحلة الإعدادية الإقليمية تستقطب أساساً أطفال القرى الزراعية والرعوية والمقاطعات الفقيرة والمناطق الحدودية، وتعمل وفق إدارة داخلية مغلقة بدوام كامل. وفي إحدى مدارس أورومتشي، كان نحو 1,900 طالب من المناطق الجنوبية يقيمون في المدرسة 330 يوماً في السنة. ولم تكن المدرسة تتحكم في الدروس الرسمية فحسب، بل أيضاً في أنشطة أيام الأحد والأعياد والعادات اليومية والتعليم السياسي واستخدام اللغة.
كما تصف أمثلة المقالة من مدارس داخل الصين رقابة مشددة على التواصل والتنقل. ففي إحدى المدارس، كانت هواتف الطلاب تُجمع ولا تُعاد إليهم إلا مرة واحدة في الأسبوع. وفي مدرسة أخرى، كان يسمح للطلاب بمغادرة الحرم مرة كل أسبوعين ولمدة ساعتين ونصف فقط. ولا تثبت هذه الأمثلة أن جميع المدارس طبقت قواعد متطابقة، لكنها توضح كيف أتاح الفصل عن المنزل للمؤسسة إدارة البيئة الاجتماعية واللغوية للطفل بأكملها.

من الفصل الدراسي إلى توزيع العمالة
تربط وثائق السياسات نفسها التعليم بمنظومة العمل. فقد أمرت خطة التعليم الإقليمية بإنشاء قواعد للتدريب المهني بهدف نقل العمالة الريفية، ودعت إلى التعاون بين المدارس والشركات، والتدريب المخصص لوظائف بعينها، وتقديم تدريب مجاني للعاملين الجدد في الريف. وكان من المقرر إدماج الطلاب الذين لا ينتقلون إلى المرحلة الثانوية العليا أو التعليم العالي في برامج المهارات المهنية.
ووضع البرنامج الوطني الثالث عشر لتخفيف الفقر، الصادر عام 2016، هذه التدابير ضمن منظومة حكومية أوسع. فقد شجع التعاون بين المقاطعات في مجال العمالة، والقبول المشترك بين الشرق والغرب، وإقامة فصول مهنية في داخل الصين للطلاب القادمين من منطقتي الأويغور والتبت، وتدريب المجتمعات الأصلية على المندرينية، والمساعدة على التوظيف بعد التعليم المهني. كما ربط نقل العمالة بالمناطق الصناعية والتحضر والمؤسسات المدعومة من الدولة.
لم تُكتب هذه الخطة الوطنية لمنطقة الأويغور وحدها، ولا تثبت بمفردها أن كل تدريب أو توظيف كان قسرياً. لكنها ترسخ السلسلة المؤسسية: جرى تحديد الأسر الفقيرة عبر قواعد بيانات الدولة؛ وتوجيه الشباب نحو التدريب المهني؛ وتنسيق التوظيف بين الحكومات المحلية المرسلة والمستقبلة؛ وتقييم الدولة لأداء نقل العمالة إلى الوظائف.
وبذلك لم يكن التعليم منفصلاً عن سياسة العمل، بل كان يهيئ اللغة والانضباط والمهارات والقدرة على التنقل لمنظومة نقل تنسقها الدولة.
دفاع بكين نفسه يؤكد الاستمرارية
في سبتمبر 2023، أعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء توسيع المدارس الداخلية التي تديرها الدولة في منطقة الأويغور. واستشهدوا بادعاءات تفيد بأن أطفالاً، معظمهم من الأويغور وغيرهم من الشعوب الأصلية، يُفصلون عن أسرهم، ولا يتلقون تعليماً بلغتهم الأم إلا بقدر ضئيل أو لا يتلقونه إطلاقاً، ويُدفعون نحو الاندماج القسري في اللغة المندرينية والممارسات الثقافية الصينية.
رفضت الصين هذه الادعاءات. غير أن ردها الرسمي على خبراء الأمم المتحدة يحمل دلالات واضحة. فلتبرير نظام المدارس الداخلية الحالي، استشهدت بكين بخطة التعليم الإقليمية نفسها للأعوام 2010–2020، التي دعت إلى إنشاء مؤسسات داخلية مركزية في المناطق الزراعية والرعوية. وقالت إن الطلاب وأولياء الأمور «يختارون طوعاً الإقامة الداخلية من عدمها»، ووصفت تدريس الأويغورية بأنه مقرر محلي يمكن للأسر اختيار الالتحاق به. وفي الوقت نفسه، أكدت تطبيق التعليم الشامل باللغة الوطنية المشتركة في جميع المدارس.
قُدّم الرد بوصفه نفياً، لكنه يؤكد أيضاً استمرارية السياسة: فالنظام الحالي يقوم على البنية السابقة للتعليم المركزي، والتدريس المتمحور حول المندرينية، ونقل سلطة التعليم بعيداً عن الأسر والمجتمعات المحلية.

الطفولة أداةً للحكم
لا يتعلق السؤال بما إذا كانت المدرسة الداخلية قادرة على توفير فصول حديثة أو وجبات أو فرصة للوصول إلى التعليم لطفل يعيش بعيداً عن المدرسة؛ فبكين تشير مراراً إلى هذه المنافع المادية. لكن المباني والوجبات لا تجيب عن السؤال الجوهري الذي تطرحه وثائقها نفسها: لماذا صُممت اللغة والإقامة والهوية السياسية والتوجيه المهني والاستقرار الاجتماعي باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة؟
يُظهر السجل الرسمي تدرجاً متسقاً. فقد وعد الحكم الذاتي بحقوق لغوية، وجعل «التعليم ثنائي اللغة» المندرينية لغةً للحراك الاجتماعي. وأزال دمج المدارس البدائل الموجودة في القرى. ووضعت المدارس الداخلية والفصول الدراسية في داخل الصين الأطفال في بيئات تديرها الدولة. وحدد التعليم السياسي الهويات التي كان متوقعاً منهم تبنيها. وربطت البرامج المهنية التعليم بنقل العمالة والسياسة الصناعية.
ويمكن تقديم كل إجراء، إذا نُظر إليه منفرداً، بوصفه إصلاحاً تقنياً: برنامجاً لغوياً لمرحلة ما قبل المدرسة، أو دمجاً لمدارس، أو مقعداً في مدرسة داخلية، أو دورة مهنية، أو توظيفاً. لكن هذه الإجراءات، عند النظر إليها مجتمعة، تشكل بنية للحكم صُممت لإعادة تشكيل الطريقة التي يتكلم بها جيل جديد، وإحساسه بالانتماء، وكيفية عمله.
وعندما تتحول الطفولة إلى أداة لتحقيق «الاستقرار طويل الأمد»، لا تعود المدرسة مجرد مكان للتعلم؛ بل تصبح مؤسسة تسعى الدولة من خلالها إلى إعادة كتابة مستقبل شعب، طفلاً بعد طفل.
روابط المصادر :
- Original article — Bitter Winter
https://bitterwinter.org/how-beijing-turned-uyghur-childhood-into-a-state-project/
- 2019 Akto education report
https://jyt.xinjiang.gov.cn/edu/gzjs/202103/fc6a87b98dfe4bee8ee35d6aee2c9636.shtml
- White paper on regional ethnic autonomy
https://iolaw.cssn.cn/zgmzzz/200709/t20070917_4600297.shtml
- White paper on development and progress in the Uyghur region
https://www.theorychina.org.cn/c/2012-10-17/1269166.shtml
- 2010–2020 regional education plan
- Regional implementation document
https://www.xinjiang.gov.cn/xinjiang/gfxwj/201109/0ba9c1dabe524dd589caf980097b73c7.shtml
- 2016 China Daily report on boarding programs
https://column.chinadaily.com.cn/a/201606/30/WS5bf21b1aa3101a87ca93eafd.html
- 13th Five-Year Poverty Alleviation Plan
https://www.nhc.gov.cn/bgt/gwywj2/201612/7943800807dc40eb972ecb3b4c143f92.shtml
- UN experts’ statement, September 2023
- China’s formal response to UN experts
https://spcommreports.ohchr.org/TMResultsBase/DownLoadFile?gId=38103