الظلم مستمر عابراً للقارات، والإبادة الجماعية تُنفذ بصمت في الصين

يروي كتاب «انتظار الاعتقال ليلًا: شهادات شاعر أويغوري على الإبادة الجماعية» كيف تجري محاولة إبادة أمة بأكملها في صمت مطبق. هذا الكتاب، الذي ألفه الشاعر والمخرج الأويغوري طاهر حموت إزغيل، يوثق الظلم الصيني الذي يُمارس بعيدًا عن الأنظار.

بقلم: زينب سنجار

يني شفق, 13 سبتمبر 2025

منذ ما يقرب من عامين، تتركز كل أنظارنا على غزة. فالإبادة الجماعية المروعة التي تشنها إسرائيل المحتلة، والتي تحاصر القطاع منذ سنوات وتواصل عدوانها منذ 7 أكتوبر، تزداد شراسة يومًا بعد يوم. شعوب العالم بأسره تصرخ من أجل إنهاء هذه الإبادة التي تحدث أمام أعيننا. نعم، إننا نشاهد ما يحدث في غزة على الهواء مباشرة، لحظة بلحظة. كل شيء يحدث أمامنا. ولعل هذا هو السبب في تنظيم الاحتجاجات في العديد من دول العالم، ومقاطعة الشركات الصهيونية، وإدانة داعمي الإبادة الجماعية.

ولكن، ما مدى معرفتنا بالظلم الذي يحدث في الأماكن التي لا تراها أعيننا؟ تركستان الشرقية على سبيل المثال... ما مدى علمنا بما يعانيه شعب الأويغور الذي تعمل الحكومة الصينية منذ ستينيات القرن الماضي بشكل منهجي على تجريده من هويته، وتهجيره قسرًا من وطنه، واستعباده عبر أنظمة المراقبة الرقمية التي تتحكم في حياته؟ للأسف، معظمنا ليس لديه أي فكرة عن هذا الأمر. ذلك لأن الحكومة الصينية، على عكس إسرائيل الصهيونية، لا تريد أن ينكشف ظلمها وإبادتها الجماعية. في تركستان الشرقية، حيث يُحظر التواصل مع العالم الخارجي ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية وحتى أجهزة الراديو، يتشابه الظلم الذي تمارسه الصين ضد الأويغور في كثير من الجوانب مع ما تفعله إسرائيل بالشعب الفلسطيني.

في الصين، يُباد شعب الأويغور وهويته معًا

إن التهجير من الأراضي والمنازل، وتغيير التركيبة السكانية من خلال توطين المهاجرين الصينيين في المناطق التي أخلاها الأويغور، واعتقال آلاف الأبرياء ثم إخفائهم بحجة "التهديد الإرهابي"، هي أساليب قمعية تستخدمها إسرائيل أيضًا بشكل متكرر.

لكن الصين تبدو وكأنها تنافس النظام الصهيوني في الشر. على سبيل المثال، يمكنها اليوم أن تُعرّف وضعًا كانت تسمح به أو لا تعتبره مشكلة في الماضي على أنه "جريمة"، وتتهمك بأثر رجعي وترميك في السجن. أو مجرد وجود مصحف في منزلك يمكن أن يكون سببًا كافيًا لاعتقالك. فبدلاً من القتل المباشر، تقوم الحكومة الصينية بقتل الناس روحيًا واستعبادهم عن طريق تجريدهم من عقيدتهم وهويتهم وشعورهم بالانتماء. الصين، التي تتحكم حتى في أنفاس الأويغور الذين سُلبت منهم حريتهم الدينية وثقافتهم وقيمهم بالكامل، تقوم بإبادة أمة بأكملها في صمت.

مصدرنا الوحيد للمعلومات حول ما يحدث في تركستان الشرقية هو شهادات أولئك الذين تمكنوا من الفرار من هناك، أو أولئك الذين يخاطرون بكل شيء للتواصل مع أقاربهم في الداخل.

العالم يتعرف على وحشية الأويغور بعمق أكبر من خلال هذا الكتاب

واحدة من هذه الشهادات القوية هي كتاب السيرة الذاتية "انتظار الاعتقال ليلًا" للشاعر والمخرج الأويغوري طاهر حموت إزغيل. هذا الكتاب، الذي يحمل عنوانًا فرعيًا هو "شهادات شاعر أويغوري على الإبادة الجماعية"، يبدو وكأنه رواية ديستوبية. طاهر حموت، الذي نجا مع عائلته من دائرة الوحشية هذه واستقر في الولايات المتحدة، نشر مذكراته في البداية على شكل حلقات في صحيفة "وول ستريت جورنال". ثم قامت دار "بنغوين"، إحدى أشهر دور النشر في العالم، بنشره في كتاب. وقد نُشرت العديد من المراجعات حول هذا الكتاب في وسائل الإعلام الهامة، مما ساعد الناس على التعرف على الأويغور والوعي بالإبادة الجماعية التي يتعرضون لها.

وقد تُرجم هذا العمل إلى ما يقرب من عشرين لغة، وحصل على جوائز مرموقة على مستوى العالم.

بالطبع، لم يمر هذا الكتاب الذي كشف ظلم الصين للمجتمع الدولي دون عقاب، فبعد مقابلات طاهر حموت حول الكتاب مباشرة، قامت الحكومة الصينية بسجن العديد من أقارب الكاتب وزوجته في معسكرات الاعتقال.

طاهر حموت إزغيل، الذي كان يعيش مع عائلته في مدينة أورومتشي، عاصمة تركستان الشرقية، قبل فراره إلى الولايات المتحدة، يصف في كتابه كيف تصاعد القمع والظلم خطوة بخطوة. حتى أنهم قبل عام واحد فقط، لم يكونوا ليتخيلوا أن هذه المعاملة السيئة ستطالهم هم وعائلاتهم. يذكر إزغيل أن مجرد التمسك باللغة والثقافة أو تنظيم نشاط ثقافي كان يُعتبر تهديدًا، وأن أبسط التجمعات الاجتماعية كانت تخضع لمراقبة الشرطة السرية، بل ويتم التحقق من هويات المشاركين. ويوضح كيف ضاقت الدائرة بمرور الوقت، وكيف بدأ في النهاية بتجهيز حقيبته انتظارًا للحظة التي ستأتي فيها الشرطة لاعتقاله في إحدى الليالي.

قصة هروب وحرية

من خلال شهادات الشاعر والمخرج إزغيل، ندرك أن منطقة الأويغور قد تحولت إلى سجن ضخم، محاط بطبقات من القوة الشرطية التي لا يمكن تصورها، وأنظمة تعقب وتعرف بيولوجية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. مع سجن الآلاف في معسكرات الاعتقال، أصبحت القرى والمدن والشوارع تخلو من سكانها يومًا بعد يوم. في صباح أحد الأيام، قد تكتشف أن صاحب متجر في حيك، أو زميلك في المدرسة، قد اختفى فجأة. تُصادر جوازات سفر الأويغور، ويُقطع اتصالهم بالعالم الخارجي. لم يعد هناك أي فرصة تقريبًا للسفر إلى الخارج. في مثل هذه البيئة، ورغم عدم رغبته في ترك وطنه وأصدقائه، يخاطر إزغيل بكل شيء ويكافح من أجل الخروج من البلاد. في الواقع، كانت هذه العملية تجربة مؤلمة للغاية بالنسبة له. ففي عام 1996، أثناء سفره إلى الخارج لمتابعة دراساته العليا، تم اعتقاله على الحدود الصينية. وتحت وطأة التعذيب، أُجبر على الاعتراف بتهمة ملفقة هي "إفشاء أسرار الدولة". حُكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات تقريبًا، وأُطلق سراحه في نهاية عام 1998. وعلى الرغم من أن اسمه شُطب من سجلات الحزب وكُتب بجانبه "خطير"، إلا أنه في العام التالي، وبغض النظر عن الصعوبات التي سيجلبها هذا "التصنيف"، دخل إزغيل مجال السينما وبدأ حياته المهنية كمخرج مستقل.

طاهر حموت إزغيل، كشخصية معروفة في الأوساط الفكرية في تركستان الشرقية بصفته مثقفًا وكاتبًا وشاعرًا ومخرجًا، يروي كيف يواجه الأويغور القمع حتى في بيئتهم الثقافية الغنية جدًا. ويسجل كيف أن عالم النشر وصناعة المسلسلات التلفزيونية يكافحان للبقاء تحت ضغوط ورقابة شديدة، وكيف تتم محاولة تدمير هذا القطاع، على سبيل المثال، من خلال حظر الروايات التاريخية التي كانت تدعم عالم النشر.

أما قراءة هذا، والوعي به، ونشر خبر هذه الإبادة الجماعية التي تُحجب عن الأنظار، فيقع على عاتق القراء.