تايوان..الصراع القادم بين أمريكا والصين والاستفادة من الفرص غير المحسوبة

 تايوان المعروفة رسميا باسم جمهورية الصين تبلغ مساحتها مع مجموعة الجزر الصغيرة التي تتبعها 369.62ألف كم2، وتعداد سكانها نحو 23.6 مليون نسمة، يفصلها عن بر الصين مضيق تايوان البالغ عرضه 140 كم، نجحت تايوان في الإفلات من قبضة الحكم الشيوعي عقب نجاحه في الإطاحة بحكومة الصين الوطنية " الكومينتانج" في أكتوبر 1949م حيث انتقل إليها شيانج كاى شيك الرئيس الصينى وحكومته ونخب الكومينتانج ومعارضى الشيوعية، وتقلصت سيطرة حكومة الصين الوطنية إلى جزيرة تايوان فقط، وظلت تايوان تحت اسم جمهورية الصين تمثل الصين عامة في المحافل الدولية باعتبارها الحكومة الشرعية للصين وتشغل مقعدها في الأمم المتحدة حتى العام 1971م حين فقدت مقعدها لصالح جمهورية الصين الشيوعية. لم تكن هناك علاقات بين تايوان والبر الرئيسي للصين وظلت حكومته الشيوعية تعتبر تايوان جزءا متمردا عليها، ولم تكف عن المطالبة بالسيطرة عليها ومطالبة دول العالم بعدم الاعتراف بها وقطع العلاقات معها، وقد نجحت الصين الشيوعية في دفع معظم دول العالم لقطع علاقاتها مع تايوان – باستثناء نحو 23 دولة – وتصر الصين على اعتبار تايوان جزءا لا يتجزء من الصين وتطالب بعودتها لسيطرة البر الرئيسى عبر أطروحات سلمية " كبلد واحد ونظامان" وعبر التهديد وتصعيد الأزمات مع تفضيل البديل السلمى للوحدة بينهما وإن كان خيار الحرب غير مستبعد كما صرح بذلك مؤخرا الرئيس الصينى شى جين بينج في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى الصينى في أكتوبر 2022م؛ و على الجانب الآخر لا يزال خيار الوحدة مع الصين مرفوضا رسميا وشعبيا في تايوان، بل لا تزال هناك مطالبات على أعلى المستويات السياسية بعودة سيطرة جمهورية الصين ( تايوان) على عموم الصين باعتبارها الحكومة الشرعية للصين بأسرها.

 مرت العلاقات بين الصين وتايوان بأزمات متعددة واشتباكات كادت تصل إلى المواجهة العسكرية الشاملة وأشهرها أزمات مضيق تايوان الثلاث الكبرى في أعوام 1954 – 1955 – 1958م والتي شهدت مواجهات عسكرية ومقتل الكثير من الجنود من الطرفين، وصولا إلى الأزمة الحالية والتي تصاعدت منذ زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي لتايوان في 2/8/2022م وأدت لاستنفار عسكرى للجيش الصينى ومناورات جوية وبحرية تجاوزت خط المنتصف لمضيق تايوان في رسائل تهديد واضحة لساسة تايوان، وهو ما أكدته تصريحات الرئيس الصيني في خطاب افتتاح مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الأخير بأن الصين لن تتخلى عن القوة كاحتمال لإعادة تايوان إلى البر الصينى. من جهته كان الرئيس الأمريكي بايدن قد أجاب بنعم على سؤال لشبكة سى بى إس الأمريكية فى 18/9/2022م عما إذا كانت القوات الأمريكية ستدافع عن تايوان في حال حدوث غزو صيني لها، كما تعزز الولايات المتحدة قواتها وتحالفاتها السياسية والعسكرية في منطقة المحيطين الهندى والهادى ذات الأهمية الكبيرة للصين. 

 ومن الواضح أن الاصطفاف للمواجهة يتسارع حاليا عبر الاستعدادات والتحضيرات السياسية والتحالفات الإقليمية والدولية، والتجهيزات والمناورات العسكرية للغزو والدفاع ضده والمواجهة بين أطراف النزاع المحتملة، ذلك النزاع الذى من المؤكد أن تنخرط فيه عشرات الدول والتحالفات الإقليمية والدولية حال الوصول للحظة الحاسمة لتفجير الصراع والتي قد تكون قريبة جدا في رأى البعض، ففي 28/1/2023م حذر الجنرال الأمريكى مايكل مينيهان قائد قيادة النقل الجوى التي تشرف على أسطول الخدمة من طائرات النقل والتزود بالوقود  من المخاطر العالية لنشوب الحرب مع الصين بسبب تايوان عام 2025م مبررا توقعاته بأن عام 2024م سيشهد انتخابات عامة في تايوان حيث يتفوق الحزب الوطنى المعارض للصين وهو أيضا عام الانتخابات الأمريكية والذى سيشهد أمريكا منقسمة ومشتتة، حيث تكون الفرصة مواتية للرئيس الصينى شى لتفجير الصراع؛ كما صرح من قبله الجنرال تشارلز ريتشارد قائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية التي تشرف على برنامج الأسلحة النووية "ستراتكوم" في خطاب ألقاه في الندوة السنوية لرابطة الغواصات البحرية وتحديث الصناعة في 5/11/2022م  " بأن الصراع الحالي في أوكرانيا ليس الأسوأ الذى يجب أن تكون أمريكا مستعدة له، فأزمة أوكرانيا التي نحن فيها الآن مجرد عملية إحماء.... الكبير قادم". يقصد الحرب مع الصين.

من المحتمل بالفعل أن اندلاع الحرب التايوانية قد يكون قريبا لكن يمكن القول بأنها لن تندلع قبل حسم الحرب الأوكرانية أو التأكد من إنهاك روسيا وأنها لن تستطيع تقديم مساعدة فعالة للصين حال اندلاع الحرب، كذلك تحقيق قدر كبير من الاكتفاء الذاتي لدول الصراع من الرقائق الألكترونية وهو المجال الذى تسيطر الشركات التايوانية على نحو 63% من الإنتاج العالمى له، والشركات الكورية على 18% ، والصين 6% وباقى دول العالم 13%، بينما تركز الشركات الأمريكية على التصميم وإنتاج آلات تصنيع الرقائق، وبالتأكيد قد يتوقف إنتاج تلك الرقائق في تايوان تماما وقد تتضرر كوريا الجنوبية الحليف الأمريكى وهو الأمر الذى سيؤثر بشدة على كافة الصناعات المتقدمة العسكرية والمدنية في العالم؛ وتسعى حاليا كلا من : الولايات المتحدة والصين وأوروبا لزيادة إنتاجها من الرقائق لتعويض النقص الحاد المؤكد من تلك الرقائق حال اندلاع الحرب حول تايوان، إلا أن ذلك سيستغرق وقتا لطول فترة تجهيز مصانع الإنتاج وضخامة الاستثمارات.

اندلاع الصراع والفرصة غير المحسوبة

أدت السياسات الديكتاتورية العنيفة للرئيس الصينى شى جين بينج والتي تستهدف محو هوية الأقليات القومية في الصين والدمج القسرى لهم في الأطروحات الفكرية والثقافية وشكل الهوية القومية التي يريدها الرئيس الصينى وحزبه الشيوعى إلى إحداث شروخ جسيمة في التماسك الداخلى القومى في الصين بسبب الممارسات اللا إنسانية العنيفة غير المسبوقة – كمعسكرات الاعتقال لمحو الهوية، وكبت الحريات ، ومنع السفر والسياسات التعليمية والرقابة المستمرة والملاحقات الأمنية - ضد الأقليات العرقية في شينجيانج والتبت  ومنغوليا الداخلية ، وهونج كونج، بل وفى داخل الصين الأصلية ضد نخب المثقفين ورجال الأعمال بسياسات الرئيس الصينى وحزبه الشيوعى  الحمقاء المتغطرسة ضد جميع المخالفين له ولسياساته وتنظيراته التي تسير ضد طبيعة المجتمعات البشرية، كما يفتقر نضام حكمه إلى أي محددات سياسية أو مؤسساتية من الممكن أن توجه تصرفاته أو تحد من سلطاته وجموح أفكاره، ولا وجود لأية أداة يمكن من خلالها توفير خيارات سياسية متزنة تجمع ولا تفرق؛ لقد بلغ حجم الأخطاء والانتهاكات الإنسانية ضد الأقليات في الصين وبالأخص في شينجيانج " تركستان الشرقية" والتبت لدرجة تمنع بناء أية ثقة أو رغبة للبقاء تحت سيطرة الصين ؛ ومما لا شك فيه أن الصراع على تايوان سيكون طويلا ومدمرا لقدرات الصين وسيمتد بالتأكيد إلى عمق أراضيها وسيكون الداخل الصينى - حيث النقاط الملتهبة التي اكتوت بنير القهر الصينى الشيوعى - نقطة ضعف خطيرة للصين حال مواجهة أعدائها الخارجيين، حيث من المرجح حدوث انشقاقات وتمردات داخلية للإفلات من ظلم وغطرسة الصين الشيوعية وستدفع الأحداث في اتجاه انهيار وتفكك الصين، مما يمثل فرصة مواتية للأقليات المقهورة للتحرر من قبضة الصين الشيوعية، فوطن لا يحمينى ولا يحترم هويتى لا أنتمي إليه.

د/ عزالدين الوردانى

كاتب متخصص في شؤون وسط آسيا