عادت قضية الأويغور إلى التداول في الصراع الأميركي -الصيني، ولكن ليس من زاوية حقوق الإنسان واضطهاد الأقليات، بل من زاوية الاستثمار السياسي في صراعٍ قناعه سياسي ووجهه العاري اقتصادي. وتعود قابلية واقع الأويغور للاستثمار الأميركي إلى خصوصية القضية ذاتها، وطبيعة الفئات الجهادية التي انبثقت منها، ويتجلّى ذلك عبر وقفة عاجلة عند تاريخ نشأتهم وتطوّرهم الجهادي.
تكوّنت المجتمعات الأويغورية عام 550 ميلادي إثر هجرة الشعوب التركية من منغوليا واستقرارهم في تركستان. وكان أول اتصال للمسلمين بالأويغور زمن الخليفة العباسي “السفاح”، حين أرسل تميم بن بحر إلى سلطان الأويغور بايانجور يدعوه إلى الإسلام، إلا أن الأخير اختار التحالف مع الصين لمحاربة المسلمين في معركة “طلاس”.
بدأ اعتناق بعض الأويغور الإسلام بعد أن اتخذه سلطانهم ساتوق تكين عام 920 ميلادي دينًا له، وسمّى نفسه عبدالكريم. وقد أمضى أربعة عقود في نشر الإسلام بين شعبه.
تبنّى الأويغور الصوفية في تدينهم أواخر القرن السادس عشر، بعد سقوط خانات السعيدية على يد خواجات كانوا القادة الروحيين للطريقة النقشبندية، وأشهرهم “آفاق خوجا”، حفيد شيوخ سمرقند، الذي استولى على “كاشغر”، ولا يزال ضريحه مزارًا للأويغور حتى يومنا هذا.
أسقطت قبائل “تشينغ” حكم الخواجات وضمت تركستان إلى الصين عام 1750. وقد أخفق الأويغور مرارًا في الانفكاك عن الصين، حتى بعد انهيار حكم “أسرة تشينغ” عام 1911. وبعد هزيمة القومندانغ بقيادة “تشيانغ”، أعلن “ماو تسي تونغ” قيام الصين الشعبية عام 1949، وضُمت الأويغور إليها كمقاطعة.
أميركا اغتنمت فرصة تطوّر الثورة السورية، ووجود الأويغور الجهاديين في صفوفها، لتفرض على الحكومة السورية دمج الفصائل الأجنبية، وتحويلهم إلى معسكرات خاصة بهم، فلا يذوبون في المجتمع السوري، ويبقون ورقة ضغط ضد الصين
واجهت سلطات الصين دعوات للانفصال أو بناء حكم إسلامي ذاتي بعنف شديد، وشكّلت مجموعات مسلّحة من داخل الأويغور لمحاربتهم، وأمعنت في استخدام أساليب قمعية وحشية باتت علامة فارقة في تاريخ الاضطهاد البشري.
لم تفلح الأمم المتحدة إلا في التعبير المستمر عن قلقها من حملات الاعتقال الجماعية للأويغور، والدعوة إلى إطلاق سراح المحتجزين في معسكرات “إعادة التأهيل” التي أبدعتها السلطات الصينية، دون أن يجد نداؤها أيّ صدى.
وثّقت مفوضية حقوق الإنسان الأممية عدة تقارير عن احتجاز مليون أويغوري في “مراكز الصين لمكافحة التطرف”. وتحدّثت المفوضية عن اعتقال السلطات الصينية عام 2018 لكل من له أقارب في 26 دولة، وكل من أجرى اتصالات خارجية عبر تطبيق “واتساب”. كما كشفت عن إرغام النساء الأويغور على تناول حبوب منع الحمل، وإخضاعهن لعمليات تعقيم قسرية، لحرمانهن من الإنجاب نهائيًا.
وأجرت هيئة “بي بي سي” تحقيقًا استقصائيًا عام 2019، أكّدت فيه أن الحكومة الصينية اتّبعت سياسة فصل أبناء الأويغور عن أسرهم، واحتجازهم في معسكرات تهدف إلى تكوين قسري لمحو الثقافة الأصلية لمجتمع الأويغور، وتنشئة جيل جديد من الأويغور منقطع كليًا عن ثقافتهم الأم، وعاداتهم وتقاليدهم، وديانتهم، ولغتهم الأصلية.
أدّت صنوف هذا الاضطهاد والتنكيل بالأويغور إلى هجرة عدد كبير من شبانهم إلى مختلف أصقاع العالم، واتّجه قسم كبير منهم إلى تركيا الأم القومية للأويغور. وكانت حركة الأويغور تحت أنظار السلطات الصينية، ولاسيما أن تركيا عمدت إلى تنظيمهم ودفعهم للالتحاق بالتنظيمات الجهادية في سوريا، وكانت شخصيات أولئك الشبان مثالية لتقمّص روح الجهاد والتماهي معها.
شكّل المجاهدون الأويغور صفقة استثمارية لسياسة أميركا المناوئة للصين، وورقة ضغط رابحة في إقلاق الصين وتهديدها. وغذّت ماكينة إعلامية تروّج إلى أن هذه المجموعة ستشكّل في المستقبل حصان طروادة الذي يخترق الصين وسياستها، ويعيد إليها اضطرابات داخلية تُشلّها.
وقد اغتنمت أميركا فرصة تطوّر الثورة السورية، ووجود الأويغور الجهاديين في صفوفها، لتفرض على الحكومة السورية دمج الفصائل الأجنبية، وتحويلهم إلى معسكرات خاصة بهم، فلا يذوبون في المجتمع السوري، ويبقون ورقة ضغط ضد الصين، تضمن قلقًا مستدامًا وابتزازًا أميركيًا متواصلًا، وإضرام حرب باردة أو ساخنة بين واشنطن وبكين في المستقبل القريب.
كاتب سوري
مصدر: https://alarab.co.uk